ملف الإرهاب الصهيوني

أنيس صايغ

اجرى اعلامي بريطاني لقاءً مع الدكتور أنيس صايغ حول الارهاب الصهيوني باعتباره احد ضحاياه، بمناسبة بدء العدوان "الاسرائيلي" على لبنان يوم الحادي عشر من ابريل 1996. وعرض نشر بحث مطول في الموضوع ليطلع عليه الرأي العام البريطاني. فكان المقال التالي الذي نشرت جريدة "السفير" ترجمته الى العربية في عددها الصادر يوم السابع عشر من إبريل 1996 تحت عنوان: "شهادة ضحية بالبصر والسمع - ملف الإرهاب الصهيوني من اغتيالات 1936 حتى عناقيد الغضب".

ولا يختلف مضمون هذا الكراس عن النص الذي سبق نشره في "السفير" الا في امور بسيطة واضافات وتعديلات قليلة. وقد طلبت مؤسسات عربية (فلسطينية ولبنانية بنوع خاص) اعادة طباعة المقال في كراس لتقوم بتوزيعه على نطاق واسع.

ملف الإرهاب الصهيوني
ما كنت لأخص الرأي البريطاني العام، بالذات، ببحث موضوع الارهاب الصهيوني هذا، مع انه موضوع عام يهم البشرية جمعاء، وخاصة بعد هرولة مسؤولي ثلاثين دولة الى اجتماع شرم الشيخ (وما تلاه وما سيتلوه من لقاءات على اعلى المستويات) للبحث في حماية "اسرائيل" من "ارهاب" الفلسطينيين، لولا دوافع ثانوية وعامل رئيسي. من الدوافع الجانبية ان الحكومات البريطانية كان لها ضلع كبير في الماضي في تقرير مصير شعبنا العربي الفلسطيني وفي حصول نكبته الكبرى وتشريده وتشتيته. ومنها ان بريطانيا هي مهد الديمقراطية المعاصرة، وأمّ الحريات بالنسبة الى العالم عموماً والينا نحن العرب خصوصاً.

ومنها ان الشعب البريطاني الذي يشكو حالياً من ارهاب المتطرفين الايرلنديين مدعوّ اكثر من غيره للنظر الى مشكلة الارهاب بتجرد وموضوعية وتعمّق وإنصاف. ومنها ان الاعلام البريطاني (صحافة واذاعة وتلفزيوناً) أسهم كثيراً من قبل، ولا يزال، في تعقب بعض اعمال العنف وفضحها.

اما السبب الرئيسي والمباشر فهو ان حديثاً يدور حالياً في بعض الاوساط الرسمية في بريطانيا حول إمكان (وضرورة) اعتبار "الجهاد" إهارباً، وبالتالي اعتبار الدعوة الى الجهاد، ولو باللسان والقلم، مشاركة في الإرهاب وتحريضاً عليه، وذلك انطلاقاً من اعتبارات اصطنعتها سلطات الاحتلال الصهيوني في فلسطين وفرضتها على القيادة المستسلمة لشعب فلسطين (واعذروني اذا كنت استعمل مصطلحات والفاظاً لم تعد شائعة، ولا مقبولة، في هذه الايام التي نسميها في بلادنا بالزمن الرديء. بل انها اصبحت من مخلفات ماضٍ يريد العالم المتحضر ان ينساها لانه يعتبرها تتناقض مع مهرجان السلام الذي يفرض علينا ان نشارك فيه - علماً ان هذه الالفاظ ما تزال تنبض بالحرارة والمرارة وتعكس الواقع الحقيقي وتمثل دلالات لا تعوزها الصحة والدقة وامانة السرد).

من هنا شعرت بضرورة كتابة هذا الحديث الهادىء الذي آمل ان يطلع القارىء البريطاني عليه قبل ان يصل الى قناعات حول "الارهاب العربي". وسنرى ان الارهاب ليس عربياً. بل هو اسرائيلي صهيوني، في الاساس ومنذ البداية.

وليسمح لي القارىء ان احاول او اوجز، بقدر ما يستطيع مؤرخ ان يختصر ملفاً ضخماً لممارسات جماعية سياسية منظمة طيلة ستين عاماً في صفحات، وهو سجل الارهاب الصهيوني: اعمال العنف التي ارتكبتها جماعات رسمية وشبه رسمية بحق افراد عزّل من السلاح من المدنيين غير العسكريين وغير المحاربين، مما يخرج عن دائرة القانون وحق "الدولة" بحماية امنها وسلامتها. وهو عنف يتنافى مع الانظمة والاتفاقات التي تعارفت عليها الدول المتحضرة المعاصرة، وتعاهدت والتزمت بها، نظرياً على الاقل، في اتفاقات ومعاهدات ثنائية وجماعية ودولية واعلانات ونصوص تندرج تحت عنوان حقوق الانسان والمدنيين بوجه خاص. واترك للقارىء البريطاني، ولضميره وتمسكه بقيمة العريقة، ان يحكم من هو الارهابي ومن هو الذي يحتاج الى حماية من الارهاب. شرطنا عليه ان يقيم ميزاناً واحداً - وليس للعدالة غير ميزان واحد.

وان لا يكيل بمقاييس مختلفة، فيرى في فعلٍ ما صواباً عند فئة وخطأ عند فئة اخرى.

سأختار يوم السادس عشر من ابريل 1939، اي منذ ستين عاماً بالتمام، تاريخ بدء وقائع هذا السجل الاسود الدامي. يومها اختار ارهابيون صهيونيون رجلين مدنيين عربيين يمران قرب مستعمرة بتاح تكفة اختياراً عشوائياً وصرعوهما بالرصاص، دون ان تكون لهما صفة عسكرية او نشاط مسلح. وتوالت اعمال الارهاب، منذ ذلك الحين، بلا توقف تقريباً، حتى يومنا هذا. دون ان نقصد من تحديد ذلك اليوم المعين من شهر ابريل 1936 ان الصهيونيين لم يقترفوا اعتداءات ارهابية ضد المدنيين من عرب فلسطين قبل ذلك التاريخ. ان هناك عشرات الحوادث التي وقعت في الثلث الاول من هذا القرن. لكنها كانت، في مجملها، احداثاً متفرقة ومتباعدة واضعف من ان تكوّن سلسلة محبوكة ومتلاصقة الحلقات.

كانت الاسواق التجارية والشوارع الرئيسية والاحياء الشعبية في المدن، مثل القدس ويافا وحيفا، هدفاً سهلاً للإرهابيين في سنة 1938 بشكل خاص. وراح ضحية القنابل التي القيت فيها، في اكثر من عشر حوادث خلال سنة واحدة، اكثر من مئة قتيل مدني. واعاد الارهابيون الكرّة ابتداءً من مطلع الاربعينات وهدفهم المفضل هو المقاهي والمطاعم والفنادق والمحال التجارية والمنازل السكنية والمكاتب والشركات والادارات العامة والمدارس العربية، في معظم المدن والبلدات. ولعل ابرز هذه الحوادث عملية نسف مبنى فندق الملك داوود في القدس حيث كانت مكاتب وادارات حكومة فلسطين (صيف 1946). وقد قتل عند تفجير المبنى مئتا مدني، ومعظمهم من العرب والانكليز. ووصل معدل القتلى المدنيين من العرب، في كل شهر من الاشهر الستة التي سبقت إعلان قيام "دولة اسرائيل" الى مئة وخمسين قتيلاً.

والى جانب الاماكن العامة المذكورة اعلاه، كان الارهابيون الصهيونيون يركزون على المنشآت العامة وادارات الخدمة المدنية والمصارف. وابرز المنشآت مراكز التجمع النفطي في حيفا، من خزانات ومصافٍ للتكرير ومعامل وانابيب. وقد تعرضت هذه المنشآت لعشر هجمات ما بين اواسط عامي 1947 و1948. وكان كل هجوم يحصد العشرات من المدنيين العرب، من عمال وفنيين واداريين. اما المصارف، ومعظمها بريطاني الادارة والملكية، فقد تواصل الهجوم عليها ما بين مطلع 1946 ومنتصف 1948. واضافة الى سرقة صناديقها وودائعها، كان كل سطو يحصد عدة قتلى عرب مدنيين، من موظفين وعملاء.

اما الهدف الرئيسي للإرهاب الصهيوني منذ 1937 ولأكثر من عشرة اعوام فكان وسائل النقل: السيارات الصغيرة، والباصات، وسيارات الشحن، والقطارات، والطرق والجسور والمعابر وسكك الحديد، والمحطات والمواقف والمرائب. احصت السلطات اكثر من خمس مئة قتيل مدني في سنتي 1937 و1938 وحدهما.

اما في سنتي 1947 و1948 فقد تفاقم الخطر (من حيث عدد الهجمات والضحايا) الى حد جعل التنقل بين مكان وآخر امراً خطراً جداً على المواطن العربي العادي، في المدن والقرى او في ما بينها. واذا كان يهود القدس تخوفوا من ركوب باصات المدينة ربيع العام الحالي بسبب حادثتي تفجير فان عرب فلسطين كلها قبعوا في منازلهم عشرين شهراً خوفاً من الغدر الصهيوني.

غني عن القول ان ذلك العنف كان يجري بدون سابق انذار او تحذير، وبدون حساب لعدد الضحايا واعمارهم واجناسهم وعدم علاقتهم بالعمل العسكري او الفدائي. ولم يكن الارهاب الصهيوني يجد لنفسه تبريراً الا انهم عرب، ودم العربي مستباح لدى الصهيوني. ولم تكن تلك العمليات فردية ولا مزاجية. بل حصلت تطبيقاً لخطة مدروسة هدفها ترويع الشعب العربي لتهجيره.

والواقع انه لا يمكن النظر الى هذه العمليات، وخاصة تلك التي حصلت في عامي 1947 و1948، الا ضمن اطار المخطط الصهيوني لإفراغ فلسطين من سكانها العرب الاصليين لاحتلال اراضيهم وممتلكاتهم وإسكان المهاجرين اليهود المستوردين من خارج البلاد. وعمر خطة طرد السكان العرب هو من عمر الحركة الصهيونية ذاتها، والتي تحتفل العام القادم بالذكرى المئوية لنشأتها الرسمية. فقد اعلن ابو الحركة ومطلقها، ثيودور هرتزل، صراحة في مذكراته ان على المستوطنين الصهيونيين في فلسطين ان يخلوها من اهلها. ولكنه، وللحقيقة، لم يقل ان التهجير هو الوسيلة الوحيدة للإخلاء. فقد اقترح التهجير الى العراق (وكأن ما يقال حالياً، همساً، بنية دولية لتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين الى العراق انما هو مستوحى من افكار هرتزل قبل مئة عام). ذلك ان هرتزل اقترح طريقة اخرى للتخلص من الفلسطينيين: حرقهم بأشعة شمس الغور او قتلهم بلسعات افاعي مستنقعات الحولة، خلال استخدامهم ارقّاء عند المستوطنين اليهود يعملون في المهام الصعبة والخطرة التي لا يجوز ان تزهق ارواح اليهود فيها او بسببها.

من هنا فان فصلاً من ملف الارهاب الصهيوني محوره هو الارهاب الترويعي الذي يمهد للتهجير والإخلاء والترحيل والتشتيت. وليس غريباً ان يكثف هذا الفصل بشكل خاص في الاشهر الستة ما بين صدور قرار تقسيم فلسطين وقيام "دولة اسرائيل". وإننا لنلحظ عند تتبع العمليات الارهابية اواخر 1947 والنصف الاول من 1948 انها استهدفت في معظم الاحيان المناطق التي خطط الصهيونيون لان تكون نواة دولتهم - سواء تلك التي اعلنها قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة 29/11/1947 انها من نصيبهم، او تلك التي قرروا الاستيلاء عليها فور انشاء دولتهم مع ان القرار آنف الذر منحها للدولة العربية.

بدأت هذه العمليات في النصف الثاني من ديسمبر 1947، باعتداءات مبرمجة وشرسة على المدنيين في قرى قضاء حيفا. ثم قرى قضاء صفد. ثم قرى قضاء طبرية. وبلغ القتلى المدنيون في هذه الاقضية مئة وسبعين رجلاً وامرأة وطفلاً. ثم تلتها هجمات على سكان الطيرة وسعسع وكفر حسينية وصرفند وقالونيا وبيت سوريك وعيلبون والشجرة وناصرالدين، سقط فيها مئتان وخمسون مدنياً . لكن المذبحة الرئيسية كانت في قرية دير ياسين، ليلة التاسع/العاشر من ابريل، التي راح ضحيتها ثلاثة مئة وخمسون شهيداً (من اصل سكان البلدة الاربع مئة).

وقد اصبحت المذبحة، منذ ذلك الحين، احد رموز الوحشية الصهيونية. (ومن اللافت للنظر ان عملية ارهابية اخرى وقعت في التاريخ نفسه بعد خمس وعشرين سنة، في شارع فردان في بيروت، حينما هاجم ارهابيون مبنى يقيم فيه ثلاثة من المسؤولين الفلسطينيين ، واحدهم من كبار الشعراء العرب، وقتلوهم وقتلوا معهم زوجة احدهم).

مهدت هذه العمليات للهجمات على عرب المدن والبلدات، في النصف الثاني من شهر ابريل، لتهجيرهم: طبرية وصفد وعكا وحيفا ويافا., ثم اللد والرملة بعد اقل من ثلاثة اشهر. وكان قتلى كل هجوم يعدون بالمئات، بينما يهرب عشرات الآلاف من الناجين الى حيث الامان في الاقطار العربية المجاورة. وهكذا، وفي اقل من نصف سنة، لجأ حوالى سبع مئة وخمسين الف عربي فلسطيني الى لبنان وسورية وشرق الاردن، هرباً من الموت والفظائع، وبقوة السلاح والإكراه. ولا يزالون، وابناؤهم واحفادهم، مطرودين من دياهم حتى اليوم وقد تضاعف عددهم عدة مرات.

والواقع ان امراً مماثلاً حصل بعد اقل من عشرين سنة، في اعقاب حرب 1967، حينما استولت القوات الاسرائيلية على ما تبقى من فلسطين، اي ما عرف منذ 1948 باسم قطاع غزة والضفة الغربية. وزاد عدد النازحين بالإكراه والترويع على ثلاثة مئة الف مدني. والفرق الوحيد بين عمليتي الطرد في الاربعينات والستينات ان "ابطال" الاولى كانوا من اعضاء المنظمات الصهيونية غير الرسمية (في الشكل على الاقل)، مثل شتيرن والارغون اضافة الى الهاغانا وذراعها الهجومي البالماخ اللتين كانتا تأتمران بالوكالة اليهودية مباشرة. اما "ابطال" العمليات الاخيرة (1967) فكانوا ما سمي بجيش الدفاع الاسرائيلي.

غير ان الارهاب الصهيوني لم يتوقف باحتلال الجيش الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية كلها (ومعه الجولان وسيناء)، تماماً مثلما لم يتوقف الارهاب 1948 - 1949 بإقامة "الدولة". فقد استمر الارهاب طيلة الخمسينات والنصف الاول من الستينات، تمهيداً لحرب 1967. ولم يكن يمر اسبوع دون قيام الصهيونيين بعملية ارهابية ما. ومن الامثلة: هجوم على مخيم البريج (غزة)، ثم بلدة قبية، صيف 1953. سقط في الاعتداءين ستون قتيلاً وتسعون جريحاً، من المدنيين العرب. تبعهما اعتداءان على قرية نحالين والشاطىء الشرقي لبحيرة طبرية، سقط فيهما عشرون قتيلا. اما في حرب 1956 فقد سقط مئات المدنيين في قطاع غزة، مات معظمهم تحت ركام المباني والمساكن التي قصفتها القوات الاسرائيلية براً وبحراً وجواً. اضافة الى اربعمئة وخمسين قتيلاً مدنياً معظمهم من العمال والمزارعين كانوا ضحايا مذبحتين في كفرقاسم وخان يونس (خريف 1956). وتواصلت المذابح في ما بعد: ثلاثون قتيلاً في غارة على النقيب (ربيع 1967)، وعشرون قتيلاً في هجوم على السموع (خريف 1966).

ولم يعد الارهاب الصهيوني يحصر نفسه في فلسطين. اخذ يعبر الحدود، بين الحين والآخر، الى لبنان وسورية والاردن ومصر: سقط عدة مئات من المدنيين المصريين من اهل السويس وبور توفيق والاسماعيلية (سبتمبر 1967). وسقط اكثر من مئة قتيل مدني في غارات على الاردن اواخر 1967.

ووصلت الغارات الى قضائي اربد والسلط في العام التالي، بحجة وجود فدائيين فلسطينيين فيهما. وراح ضحيتها ستون مدنياً فلسطينياً واردنياً. وفي صيف 1968 قتلت اعمال الارهاب ضد اهالي السويس والاسماعيلية سبعين مدنياً. وفي العام 1969 قتل الارهاب ستين مدنياً في غارات على الهامة وميسلون (سورية) وبور سعيد (مصر). وفي حادثة واحدة قتل سبعون مدنياً، معظمهم من عمال مصانع ابي زعبل في مصر (فبراير 1970). وبعد اقل من شهرين لحقت بها مجزرة اخرى: قتل الارهابيون خمسين طفلاً في غارة على مدرسة بحر البقر في مصر.

ثم جاء دور لبنان. وهو دور لم تنته فصوله. لن نتحدث هنا عن الاحتلال الاسرائيلي لاجزاء واسعة من هذا البلد العربي الطيب المسالم. بل ستقصر الاشارة الى اعمال الارهاب الجماعية ضد السكان المدنيين. وهي اكثر من ان تحصى في السنوات الثماني عشر الاخيرة. يكفي ان نذكر مجازر بنت جبيل والعرقوب ومجدل سلم وحاصبيا (1972) حيث قتل اكثر من مئة مواطن مسالم. اضافة الى غارات متوالية على المخيمات الفلسطينية حيث كان قتلى كل غارة بالعشرات. جرى ذلك قبل الهجوم الكاسح على الجنوب والبقاع الغربي 1978 ثم 1982 وما نتج عنه من احتلال دائم لقطاع واسع من ارض لبنان. واذا كان مدنيو مصر وسورية والاردن قد عانوا الكثير من الارهاب الصهيوني فان معاناة المدنيين اللبنانيين (والحياة المدنية في لبنان) تفوق الوصف، ويصعب سرد تفاصيلها اليومية: قصف مدفعي وصاروخي، غارات جوية وقصف بحري، الغام ومتفجرات، سيارات مفخخة، اغتيالات فردية، هدم منازل ومدارس ومستشفيات وجوامع على ساكنيها، تفجير سيارات براكبيها، قذف الاسواق والتجمعات والساحات العامة المكتظة بالقنابل، اضافة الى انواع جديدة من القرصنة الرسمية: خطف المدنيين واعتقالهم، وحصار الشواطىء البحرية مدداً طويلة ومنع وصول الإمدادات والبضائع ومحاولات تجويع الناس وقطع الإسعافات الطبية والادوية الى جانب قطع المياه والكهرباء، وقصف المطار الدولي وحرق ما فيه من طائرات مدنية. ان ضحايا هذا الارهاب يبلغون الآلاف. نعم. عشرات آلاف القتلى والجرحى والمشوهين والمفقودين والمخطوفين والمعتقلين من المدنيين، رجالاً ونساء واطفالاً وعجائز ومقعدين وشيوخاً وعلماء واعلاميين. وجدير بالذكر ان بين الاسلحة المستعملة ما حظرت القوانين والمواثيق الدولية استعماله. حتى ان كلمات جديدة دخلت القاموس اليومي للسكان، مثل القنابل العنقودية والفراغية والانشطارية والفوسفورية والنابالم والالعاب والدمى المفخخة. لذلك يكفي ان اذكر عدداً محدوداً جداً من المجازر الجماعية البشعة التي ارتكبها الاسرائيليون في الاعوام الاخيرة وراح ضحيتها اكثر من الف مدني لبنان وفلسطين، وكان للاعلام البريطاني فضل خاص وكبير في كشف اللثام عنها: مذبحة احتلال صيدا والزهراني والزرارية، بئر العبد، عمارة الصنائع، الخ… اما مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا التي قام بها جنود اسرائيليون وعملاء لبنانيون تدربوا على الرهاب وتسلحوا في "اسرائيل" فان عدد ضحاياها تتراوح المصادر في تقديره: ما بين الف وثلاثة آلاف مدني فلسطين ولبنان، والعودة الى ارشيف الامم المتحدة وتقارير مبعوثيها وقوات الطوارىء الدولية تعطي المرء صورة واضحة عن حجم هذا العنف وقساوته. وقد التقط مصور جريء دبابة اسرائيلية "تهرس" سيارة مدنية بركابها الخمسة. ولعل التأمل في هذه الصورة يغني عن عشرات المقالات. ولا يصح التوقف عن الحديث عن التآمر الاسرائيلي على لبنان دون التذكير بالدور الدموي الشرس للسلطات الاسرائيلية في الحرب الاهلية التي كان لبنان مسرحها 1975 - 1990 والتي سقط فيها مئة الف ضحية معظمها مدني. كانت "اسرائيل" هي المحرك والمحرض الاكبر للحرب، واشرفت على تدريب الكثيرين وتسليحهم.

الى جانب ما تقدم، هناك عمليات ارهابية متفرقة يجدر بنا ان نمر بها باختصار: منها اسقاط طائرة مدنية ليبية فوق سيناء وقتل جميع ركابها المئة وستة مدنيين (1973). والغارة على مفاعل تموز النووي في العراق وتدميره على رؤوس من كان فيه من عمال وفنيين ومهندسين وخبراء (1981). وجدير بالذكر ان الارهابيين الصهيونيين كانوا قبل سنوات قد ارسلوا رسائل ملغومة الى عدد من العلماء المصريين والاجانب العاملين في مصر. وسقط عدد منهم قتلى ومشوهين وجرحى. ثم الغارة على حمامات الشط في تونس ومقتل العشرات من المدنيين، التونسيين والفلسطينيين من اهالي الفدائيين واقاربهم (1985). واخيراً، وليس آخراً، مذبحة الحرم الابراهيمي في الخليل (1994) حيث سقط خمسون عربياً مسلماً وهم يؤدون فريضة الصلاة. وقد كانت اماكن العبادة، من جوامع وكنائس واديرة، هدفاً محبباً الى الارهاب الصهيوني طيلة السنوات الخمسين الاخيرة، في فلسطين ولبنان وسيناء.

ويجدر بنا، قبل ان نقلب صفحة جديدة من السجل الدامي للصهيونيين، ان نذكر العنف الرسمي الذي يقابل به الجيش الاسرائيلي وسار اجهزة الامن انتفاضة الفلسطينيين ومقاومة اللبنانيين ضد الاحتلال في السنوات الاخيرة. فبالرغم من ان انتفاضة الفلسطينيين تميزت باستخدام الحجر منذ قيامها 1987 سلاحاً، كان الرد عليها بالقنابل والرصاص وكل اشكال العنف: قتل الاطفال، تعذيب المعتقلين، ابعاد النشيطين (من غير العسكريين)، اعتقال عشرات الآلاف من المدنيين "المشبوهين"، نسف منازل اهالي الفدائيين ومصادرة ممتلكاتهم، اغلاق المدارس والجامعات وتعطيل الدراسة، اعلان منع التجول لمدة طويلة، قطع الطرق بين المدن والبلدات، واقامة الحصار البري والبحري للتجويع. وكان ذلك يجري بشكل "قانوني" وقرارات رسمية صادرة عن اعلى مراجع الدولة. حتى ان قوانين جديدة كانت تصدر حول طرق معاملة فتيان الانتفاضة لم يحدث ان صدر مثلها في اي بلد او عهد في عالمنا المعاصر، مثل اعطاء الشرطة والمحققين والسجانين الحق بتكسير عظام المعتقلين وسحقها، واطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين العزل. والكثير من هذه الاجراءات القمعية يمارسه الاسرائيليون في جنوب لبنان منذ قيام "المقاومة الاسلامية"، الوطنية المشروعة، في النصف الاول من الثمانينات ضد الاحتلال الاسرائيلي. حتى ان المعتقلات الاسرائيلية لم تعد تتسع لآلاف الاسرى المدنيين واضطرت السلطات الى انشاء معتقلات جديدة، تماس فيها ابشع انواع التعذيب المحظورة دولياً. وما يزال الاسرائيليون يتبعون اسلوب التهجير سلاحاً ضد المدنيين. وان كان عدد المبعدين يبلغ الآلاف من الفلسطينيين فانه يصل الى مئات الآلاف بين اهالي لبنان الجنوبي وبقاعه الغربي، مع الاشارة الى ما يحدثه ذلك التشريد من مآسٍ ومشاكل نفسية وسياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وارباك للدولة وتهديد للنظام العام وتقطع في مسيرة البلاد العمرانية وحياتها المدنية.

كانت بريطانية، صديقة الصهيونيين، هي الاخرى ضحية للإرهاب الصهيوني وخاصة ما بين 1942 و1948. وذلك لان الحركة الصهيونية اتهمت السلطات البريطانية بعدم العمل ما فيه الكفاية من اجل تهويد فلسطين، وخاصة السماح لمئات الآلاف من المهاجرين اليهود من اوروبا للإقامة في فلسطين التي لم تكن لتستوعبهم. وقد دفع ثمن هذا الاتهام عدد كبير من الجنود والضباط ورجال الشرطة والمخابرات والقضاة والموظفين والاداريين البريطانيين في فلسطين وخارجها، ودفعت برطانية كلها ثمناً غالياً من الإذلال والاهانة والجحود - في وقت كان البريطانيون يقاتلون المانية النازية لعدة اسباب منها سوء معاملتها لليهود، وكان الجيش البريطاني الثامن يستميت لمنع قوات الماريشال رومل، التي وصلت قرب الاسكندرية، من التقدم الى فلسطين وابادة يهودها. وقد شملت اعمال الصهيونيين الارهابية الاساليب التقليدية (اغتيال فردي، سيارات مفخخة، الغام، قنابل، رهائن، سطو)، الى جانب فنون خص الصهيونيون بها ضحاياهم من البريطانيين، لتمريغ سمعتهم وسمعة بلادهم في الوحل. منها الشنق العلني على جذوع الاشجار واعمدة الكهرباء، والصلب، وجلد الاسرى وتفجيرهم موثوقين، بل ان بعض المخطوفين تمزقت اجسادهم بتفجير اصابع ديناميت ادخلت في تلك الاجساد بشكل وحشي مقرف.

وبالإختصار، هكذا رد الصهيونيون في الاربعينات على محاباة بريطانية لهم ومساعدتهم طيلة قرن من الزمان على الاصعدة السياسية والدولية والدبلوماسية والعسكرية والمالية والمعنوية، وهي مساعدات جعلت بريطانية النصير الاول والاكبر والاقوى للاطماع الصهيونية في فلسطين منذ اواسط القرن الماضي. وهذا ما نطلق عليه، بلغتنا العربية، تعبير جزاء سنمّار (ملك عهد الى مهندس ببناء قصر له، ولما انجز المهمة بإتقان قتله). يعامل النصير الاول كعدو اكبر، ويجازى على ما فعله من "خير" بالشر والمكر.

واذا كانت محاولة اغتيال المندوب السامي في فلسطين، السير هارولد ماكمايكل في القدس بعد اغتيال الوزير البريطاني المقيم في الشرق الاوسط، اللورد موين، في القاهرة (1944) هما ابرز عمليتين ارهابيتين  صهيونيتين ضد بريطانية من حيث اهمية الضحيتين، فان يد الارهاب طاليت موظفين كباراً كثيرين، بينهم رؤساء ادارات فلسطينية (بمستوى وزراء) وكبارة القضاة والضباط. بل ان هذه اليد حاولت الوصول ايضاً الى وزراء (في لندن) وسفراء (في رومه) بإرسال طرود ملغومة، وقد انفجر بعضها. وظل الارهاب الصهيوني يلاحق البريطانيين في فلسطين الى ان انسحب آخر جندي بريطاني من فلسطين (مايو 48). وننصح قارئنا الذي يرغب في التوسع في الاطلاع على التآمر الصهيوني في فلسطين على البريطانيين خاصة (او على السكان المدنيين عامة) بان يراجع تقارير واوراق دائرة المباحث في حكومة الانتداب، التي كانت تعرف بالسي.أي.دي. وهي مودعة ومؤرشفة جيداً في مكتب الوثائق العامة في منطقة كيو في لندن، ومعظم اوراق هذه القضية مباح ومتاح الاطلاع عليها للعموم منذ عدة سنوات، اي بعد انقضاء فترة الحظر القانونية. ولعل هذا الكلام يكون دعوة نناشد بها دارسينا الجامعيين بان يختار بعضهم موضوع الارهاب الصهيوني مادة لنيل الماجستر او الدكتوراة بعد ان توافرت الوثائق والمصادر الرسمية واصبح بالامكان الاطلاع عليها واستخدامها واقتباسها.

ان تخصيص الشعب البريطاني كهدف للإرهاب الصهيوني في هذه المقالة لا يعني ان الارهاب المذكور لم ينل من حياة اشخاص آخرين غير العرب والبريطانيين. حسبنا ان نذكر اغتيال الوسيط الدولي في فلسطين، الكونت السويدي فولك برنادوت، ومساعده الكولونيل الفرنسي سيروت، في منتصف سبتمبر 48، اي بعد اربعة اشهر فقط من اعلان قيام دولة الاغتصاب، لان الكونت تجرأ واقترح تعديلات في قرار تقسيم فلسطين لم ترضِ الصهيونيين. وقد كان اثنان من رؤساء حكومة هذه الدولة، فيما بعد، متواطئين في العملية الارهابية (مناحيم بيغن واسحاق شامير).

ولا حاجة لان نذهب بعيداً. لنفتح صفحة اخرى من سجل الارهاب الصهيوني ضد المدنيين العزل. والضحايا، هذه المرة، هم من اليهود انفسهم. ولا نقصد بذلك ضحايا حروب اهلية داخلية، سياسية او حزبية او عرقية او طائفية، تحصل احياناً داخل المجتمع الواحد. وانما تقصد عملاً ارهابياً فريداً من نوعه: عصابات متحكمة تقوم باغتيالات جماعية ضد بني قومها لخدمة اهدافها الخاصة، ثم تحاول ان تغسل عارها بدموع تماسيح تسكبها على ضحاياها.

في نوفمبر 1940 فجرت العصابات الصهيونية الباخرة باتريا قرب الشاطىء الفلسطيني، وكانت تحمل الفاً وتسع مئة مهاجر يهودي غير شرعي الى فلسطين، لإحراج السلطات البريطانية التي رفضت السماح للباخرة بان ترسو وتفرغ حمولتها البشرية. وقد غرف مئتان واربعون يهودياً. وفي فبراير 1942 فجرت العصابات الصهيونية الباخرة ستروما قرب السواحل التركية وكانت تحمل سبع مئة وسبعين مهاجراً يهودياً غير شرعي. وقد غرقوا جميعاً. وفي اوائل العام 1948 قام ارهابيون يهود بنسف العديد من المباني اليهودية في بغداد، منازل ومدارس ومعابد ومتاجر، للتأثير على الوضع النفسي لليهود العراقيين الذين كانوا يتمتعون ببحبوحة وامان ووضعهم في جو من القلق والخوف على المصير وحضهم على الهجرة الى الدولة الناشئة على ارض فلسطين. وقد اعطت اعمال العنف ثمرها وهاجر الى فلسطين المحتلة الاغلبية الساحقة من يهود العراق، في عملية "علي بابا" التي استوحي اسمها من الولكلور المشرقي. واستوحي هذا الفولكلور لتسمية عملية مماثلة في الوقت نفسه تقريباً، عملية "البساط السحري" التي افرغت اليمن من يهودها تقريباً وهجرتهم الى فلسطين المحتلة بالعنف والاكراه والترويع والمكر.

لا اظن ان هناك حاجة للاستمرار والاستفاضة في سرد الوقائع والامثلة للتدليل على ان الارهاب "المثالي" (اذا جاز استعمال هذا النعت) في تاريخنا الحديث في هذه المنطقة من العالم انما تم على ايدي الصهيونيين وليس على ايدي الفلسطينيين او العرب ابداً. ومع هذا لم نسمع عن اجتماع واحد عقد في ستين سنة الاخيرة للبحث في استنكار هذا الارهاب ووضع حد له وحماية البشرية والانسانية منه. بينما وقف مسؤولو ثلاثين دولة وقفة واحدة يبكون ويتباكون على مصير العالم من اعمال حفنة صغيرة من الشبان قادهم حماسهم لتحرير بلدهم من الاغتصاب وحماية اهلهم من الارهاب الصهيوني الرسمي وغير الرسمي الى التضحية بأنفسهم في اربع عمليات تفجير جرت في ثلاث من مدن فلسطين المحتلة. ولم يكن قصدهم الانتقام بقدر ما كان تحقيق ما تراءى لهم من انه قد يضع حداً للارهاب الذي يقع شعبهم ضحيته يومياً. لم يسأل اي من السادة الكبار المجتمعين في شرم الشيخ، ثم في واشنطن، عن السبب الكامن وراء ذهاب كل واحد من هؤلاء الشبان الى الموت وكأنه ذاهب الى حفل زفافه. ولم يتساءل اي من المسؤولين الكبار عن الدوافع التي حملت الجماهير العربية، من المحيط الى الخليج، اي في الوطن العربي كله، وهي جماهير مسالمة تترفع عن الظلم وتؤمن بحقوق الانسان بالفطرة، تبتهج لهذه الاعمال وتحتفل بها بالسر او بالعلن مع انها لا تستلذ طعم دماء الابرياء كما يستلذها عدوهم التقليدي، الصهيونيون. وكم كان الاجدى بالمجتمعين لو غاصوا في المشكلة الى اعماقها وبحثوا عن جوهر المسألة: وهو ثورة شعب على الظلم وتوقه الى العدالة والحرية والانصاف.

اخطر من رد الفعل البريطاني لما سمي بالارهاب الاصولي في حضور اجتماعات شرم الشيخ وواشنطن وربما غيرهما ايضاً، ما نسمعه عن بحث جدي في اوساط الحكومة البريطانية عن اصدار قوانين تحرم الجهاد وتجرّم الدعوم له.

الجهاد تعبير اسلامي عربي يعني السعي نحو قيم الحق والخير والعدل بالوسائل المتاحة، ومنها السياسي والفكري والاعلامي والثقافي والمالي، ولا تنحصر الوسائل في العمل العسكري وحده. والجهاد، بمعناه الحقيقي، سعي نحو الاحسن، نحو القيم الانسانية التي تتشابه، وتكاد تتساوى وتتماثل، في معظم الاديان السماوية والحضارات البشرية. وبالتالي فان خيار المجاهد نحو مثله العليا متعدد وواسع، كاللسان والقلم والمال والعلم والقدوة الحسنة، الى جانب قوة السلاح حينما لا تنفع الوسائل الاخرى.

ان حظر الدعوة الى الجهاد في بريطانية انما هو طعن بالحريات العامة، بمنع الانسان من ممارسة حقه بالدعوة (كتابة او خطابة) للتعبير عن رأيه وايمانه. وهو يتناقض مع المفهوم البريطاني التقليدي للحرية والديمقراطية.

ولعل افضل اسلوب اتبعه لتوضيح معنى الجهاد حسب المفهوم الاسلامي هو ان انقل الى القارىء حديثين شريفين نقلا عن الرسول العربي. نص الحديث الشريف الاول هو: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده. فان لم يستطع فبلسانه. فان لم يستطع فبقلبه. وذلك اضعف الايمان". وهذا يعبر عن الامكانات المختلفة والخيارات المتعددة امام المؤمن لتقويم الخطأ وتحقيق الرسالة. ونص الحديث الشريف الثاني هو: "افضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر". وواضح هنا ان الجهاد انما هو، في الاساس، توجيه وارشاد، وهدفه اعلان الحق ورفض الاستبداد.

لقد وضح الاسرائيليون، ووافق اصحاب القرار السياسي في ظل النظام العالمي (الامريكي) الجديد، معادلات غريبة ورهيبة: اطلقوا معايير مصطنعة ومغرضة وراحوا يستوحونها في قرارات ومواقف واجراءات معينة، بينما اساس هذه المعايير والمعادلات خاطىء وظالم ومغلوط.

اعتبروا ان الاتفاق الاسرائيلي الفلسطيني سلاماً مثالياً. بل اعتبروه هو السلام بعينه بمعناه المطلق. وتجاهلوا انه مجرد مشروع سياسي قد يكون صحيحاً وسليماً ونافعاً وعادلاً وقد لا يكون. وقد يرضى عنه اناس ويرفضه آخرون - شأنه شأن اي مشروع او قرار او اتفاق سياسي يخضع لمؤثرات وضوابط ظروف معينة وفي اطر زمانية ومكانية محددة. ولانهم اعتبروا "سلامهم" هو السلام بالمطلق (ولا احد، بالطبع، هو ضد السلام الحقيقي بالمطلق)، اصبحت مواجهة هذا المشروع (اي الاتفاق) معارضة للسلام بالمطلق، اي معارضة للقيم الانسانية التي تقول بها جميع الاديان والحضارات. وبالتالي اصبح من يرفض هذا الاتفاق السياسي عدواً للبشرية وللتاريخ! وبما ان الغرب فهم من الجهاد انه عمل قتل، اصبح من يدعو الى جهاد ضد مشروع معين (اتفاق اوسلو مثلاً) قاتلاً او محرضاً على القتل او مشاركاً في جريمة اقترافه. وهكذا تحول الانسان العادي، المسالم، الذي تحمله قراءته لاتفاق اوسلو على رفضه ودعوة الاخرين الى رضه، تحول الى ارهابي دموي عدو للبشرية.

بتسلسل غريب ورهيب للمفاهيم الخاطئة في اساسها، لم يعد في النظام الديمقراطي (الذي يقوم على حرية الرأي والمعتقد اساساً) مكان لكاتب جريمته انه لم يرض، مع الكثيرين مع بني شعبه، عن مشروع يروا فيه اجحافاً بحقوقهم المشروعة.

ولأكن اكثر تفصيلاً وتحديداً. يوقع القائد الفلسطيني (السيد ياسر عرفات) على اتفاق مع حكومة اسرائيل.

لكن السيد عرفات يعجز عن الحصول على موافقة اغلبية برلمانه (اي المجلس الوطني الفلسطيني) القائم.

وهذا يعني ان الاتفاق مرفوض حسب المفاهيم الديمقراطية. فهل يجوز، اذن، ادانة من يعارض الاتفاق او يدعو الى المعارضة، عن طريق الكتاب او الخطابة او التوجيه او التثقيف الشعبي؟ اذا سمحنا بذلك نكون قلبنا المفاهيم رأساً على عقب فاعتبرنا الحريص على تحقيق ارادة الاغلبية عدواً للديمقراطية، وارهابياً يستباح دمه، بينما نرى في الطعن بالديمقراطية ورأي الاغلبية وتزويرهما بطولة وعدالة يستحق صاحبها جائزة نوبل للسلام ويستأهل مؤتمراً دولياً طويلاً عريضاً على مستوى القمة للدفاع عنه وحمايته من "ارهاب" المعارضين.

ليسمح لي القارىء البريطاني ان اخاطبه بمرارة. لقد كنت، شخصياً، من اوائل الذين كتبوا تحليلاً لاتفاق اوسلو حاولت ان التزم به حدود الموضوعية والتجرد، ودعوت الى اسقاط الاتفاق عبر الوسائل الديمقراطية. فهل يجوز ان يعتبر ما كتبته (ولا ازال اكتبه) ارهاباً او تحريضاً على الارهاب؟

وليسمح لي القارىء البريطاني ان استطرد بالكلام عن نفسي. انا رجل امتهن البحث والكتابة. لم احمل في يدي مسدساً (حتى ولا مسدس اطفال) ولا بندقية (حتى ولا بندقية صيد) ولا قنبلة (حتى ولا مفرقعات الاعياد) ولا سيفاً ولا خنجراً ولا حربة. صدق او لا تصدق. اني انفر من منظر الدم المراق، اي دم مراق حتى ولو كان لحيوان، ومن منظر النار، حتى شرارة القداحة! هذا المسالم وضعه الاسرائيليون (وربما لا يزالون، لا اعلم) على قائمة الارهابيين، فتعقبه ارهابيوهم، وحاولوا الاعتداء عليه مرتين، بالمتفجرات والصواريخ، ونجحوا في الثالثة، بطرد ملغوم، اخذوا سمعاً وبصراً وتركوا تشويهاً. وكانت جريمته انه درس وكتب ونشر وأسهم في تربية جيل على الدرس والكتابة والنشر في نقد الصهيونية فكرة وممارسة وفضحها ومعارضتها ومقاومتها، ضمن حدود البحث العلمي والموضوعي.

جريمتي اني عشت في بريطانية خمس سنوات. درست خلالها الشؤون العربية وتتلمذت على شعبها في اصول الحرية والحق والعدالة. وعدت الى بلدي امارس ما اختبرت واختزنت. واذا بي اذهب ضحية ممارسة ما تعلمته هناك في كمبردج.

ولنعد الى ملف الارهاب الصهيوني حتى لا اتكلم المزيد عن نفسي. لعل مقارنة بين الفهم الاسرائيلي للجهد الفكري والثقافي والاعلامي وفهمنا نحن العرب تسهم في توضيح الصورة للقارىء البريطاني الذي اعتاد ان يرى الصورة بالمقلوب.

لقد قتل الارهاب الاسرائيلي (او حاول قتل)، في اقل من عقدين، اكثر من عشرة من اهل الثقافة الفلسطينيين والعرب، في بيروت ونابلس ورام الله ونيقوسيا وروما ولندن وباريس وبروكسل ونيويورك. وكان جلّ صحاياه من الاساتذة والشعراء والروائيين والاعلاميين والفنانين والكتاب. وسأكتفي بذكر بعض الاسماء التي قد تكون مجهولة لدى القارىء البريطاني لكنها معروفة جداً لدى الشعب العربي: ماجد ابو شرار، بسام ابو شريف، سعادات حسن، سعيد حمامي، نعيم خضر، كريم خلف، وائل زعيتر، بسام الشكعة، ناجي العلي، عزالدين قلق، باسيل كبيسي، غسان كنفاني، حنا مقبل، كمال ناصر، محمود الهمشري، هاني الهندي. سقطوا كلهم وهم يحملون الاقلام لا الرشاشات.

ومركز الابحاث، اكبر مؤسسة علمية ثقافية للشعب الفلسطيني، هاجمه الارهاب الاسرائيلي ثلاث مرات بالمتفجرات (1970 - 1974)، وفي الرابعة نهبوه، وفي الخامسة دمروه وقتلوا وشوهوا عدداً من باحثيه وخبرائه (1982). ولم يكن فيه غير الكتب والوثائق والارشيف.

ان عدداً كبيراً من المواطنين الفلسطينيين المدنيين الذين ابعدتهم سلطات الاحتلال عن ديارهم خلال ربع قرن (1967 - 1992) انما كانوا من اهل العلم والثقافة. وكان بينهم حوالى مئتي حامل دكتوراه وشهادات جامعية عليا واساتذة ومهندسين واطباء وصيادلة وعلماء وتربويين وفنانين وادباء وقادة رأي. الامر الذي يكشف عن النية الصهيونية المبيتة بإفراغ المجتمع الفلسطيني الصامد من النخب والانتلجنسيا المؤهلة لقيادة هذا المجتمع سياسياً وثقافياً واجتماعياً وتربوياً.

لقد تعامل الصهيونيون مع الفكر العربي تعاملهم مع السلاح العربي. وقاوموا اهله واضطهدوهم مثلما قاوموا الفدائيين والمقاومين الفلسطينيين والعرب المدافعين عن حق الامة وقاتلوهم بشراسة. ورأوا في الكتاب بندقية. وفي المدرسة مستودع اسلحة. وفي الوثيقة صك ادانة. وفي الحقيقة المعلنة قنبلة موقوتة. وكادت اجهزة الارهاب (مثل الموساد والشين بيت) تفقد توازنها وعقلها وتتخبط في تعاملها مع الاصرار الفلسطين - العربي على النضال. ودفع عرب ابرياء دماء غالية لتماثل في الاسم او الشكل مع رموز فلسطينية للنضال. قتل خادم مقهى، مغربي، في استوكهولم، لانه يشبه مسؤولاً فلسطينياً. وشوه آخر، مدير مصرف لبناني، لان اسمه يتطابق مع اسم مسؤول اخر، طبيب. وتمكن الارهابيون في آخر الامر من اغتيال المسؤولين، الاول بالرصاص والثاني بالسمّ. كأنه اريد لهذا الملف الدامي والاسود للإرهاب الصهيوني ان تكون خاتمته مثل بدايته. اني اكتب هذه الاسطر يوم السادس عشر من ابريل 1996، اي بعد ستين عاماً من التاريخ الذي بدأت قصة الارهاب المنظم والمبرمج به. اكتب والصواريخ والقنابل الاسرائيلية تقصف عشرات المواقع المدنية الآهلة والمكتظة بالسكان، في انحار مختلفة من لبنان، عاصمته وجنوبه وبقاعه، لليوم السادس على التوالي، اثر مقتل جندي نظامي اسرائيلي محتل واحد فقط. اكتب وانا اسمع اصوات الانفجارات على بعد كيلومتر واحد او كيلومترين من حيث اقيم وسط العاصمة التي كانت حتى الاسبوع الماضي آمنة ومسالمة، ومن حيث اشاهدة اعمدة الدخان والسنة اللهيب. وكأن الصهيونيين ارادوا مد هذا الملف بالمزيد من صور الوحشية والبربرية في التعامل مع الانسان العربي، المدني والاعزل، قبل ان نكتب السطر الاخير فيه.

انه عدوان نظامي بكل ما في الكلمة من معنى وقسوة وفظاعة. قصف متواصل للأحياء السكنية والشوارع والطرقات والساحات والمنتزهات والمنازل والاسواق والمتاجر والمكاتب، حتى المنشآت الصناعية ومراكز توليد الطاقة والادارات العامة وتجمعات الاثار، وحتى المدارس والجوامع والمستشفيات والملاجىء وسيارات الاسعاف والمطافىء. حوالى مئتي طلعة جوية في اليوم الواحد. قصف متواصل من البوارج البحرية وقواعد الصواريخ والمدفعية في الشريط المحتل منذ 1978. وحصار بحري على طول الساحل من رأس الناقورة الى بيروت، يمنع وصول الامدادات الغذائية والطبية. وإغلاق متقطع للمطار. وتعطيل لشبكة الكهرباء والماء والهاتف وطرق المواصلات. وتشريد ثمانين الف طالب من مدارسهم. حرب على البشر وعلى البنى التحتية للبلاد. اربعون قتيلاً ومئتا جريح، حتى صباح اليوم (السادس)، وجلهم من المدنيين، والكثيرون منهم نساء واطفال. وبينهم من لحقه الموت الى داخل سيارات الاسعاف. وفوق هذا كله تهجير متعمد لسكان خمس وخمسين بلدة وقرية جنوبية، وقد بلغ عدد هؤلاء المهجرين عنوة ما بين ثلث مليون ونصف مليون نسمة، هجروا ليس فقط هرباً من الموت والدمار، بل لان قوى العدوان دعتهم واجبرتهم على ذلك. وان كان الاسرائيليون قد بذلوا جهداً كبيراً في الماضي لنفي مسؤوليتهم عن تهجير عرب فلسطين 1948 وزعموا ان التهجير تم بناء على قرارات القيادة الفلسطينية ونصائح الحكومات العربية، فانهم في هذه المرة يأمرون مئات الآلاف من المواطنين اللبنانيين العزل بإخلاء بيوتهم علناً وصراحة وفظاظة وصفافة.

ان تدمير بلد، وتكبيده خسائر بشرية ومادية، وعرقلة مسيرته الاصلاحية والتعميرية، انما هو الثمن الذي تقدره مسيرته الاصلاحية والتعميرية، انما هو الثمن الذي تقدره "اسرائيل" لمقتل جندي محتل واحد.

ويتساءل العربي: هل يعلو ثمن المحتل الاسرائيلي ويرخص ثمن الشعب العربي الى هذا الحد؟ وهل يتوقع العالم ، وخاصة اهل شرم الشيخ، ان يرضى العرب بهذا "التسعير"؟ وهل تضمن "اسرائيل" وحاميتها الكبرى (الولايات المتحدة) وحلفاؤها في العالم (بما فيه عالمنا العربي) ان لا تنهض حفنة من الفتيان من تحت انقاض الدمار ورماد الحرائق وتهجم على الموت تعتنقه وتعانقه لحماية الاهل والكرامة؟

هل يستطيع قارئي البريطاني بعد هذا كله، ان يجيب على سؤال بسيط: من هم الارهابيون: العرب ام الصهيونيون؟ وهل يجرؤ ان ينقل جوابه الى حكومته ؟

وبل لعالمنا المعاصر من لعنة التاريخ لانه ساوى بين المظلوم والظالم، وبين الخير والشر، وبين صاحب الحق والمعتدى عليه. وان كان علمنا المعاصر لا يرحم القيم، فان التاريخ لن يرحمه وسيضيف اصحاب القرار فيه الى سجل كبار اعداء البشرية، من هولاكو الى هتلر وهملر.

بيروت في 16/4/1996