الوضع الأخلاقي للصهونية

محمد خليفة حسن

(أستاذ الأدب العبري ورئيس مركز الدراسات الشرقية - جامعة القاهرة)


      لقد قامت الصهيونية وسط خلافات يهودية في الرأي وانقسام داخل المجتمع اليهودي، حول قيمة المشروع الصهيوني، وقيمة وإمكانية علاج مشكلات اليهود مع العالم من خلال الحركة الصهيونية. وقد ثار جدل كبير حول الصهيونية منذ نشأتها وحتى الآن. فالبعض ينظر إليها على أنها حركة واحدة، بينما يعتبرها البعض الآخر عدة حركات متداخلة، ويراها فريق على أنها تمثّل إيديولوجية يهودية قومية، بينما ينظر إليها آخرون على أنها مشروع ثقافي يهودي كبير يستهدف الحياة اليهودية بأكملها ويسعى الـى تغييرها. وهناك نظرات مختلفة الى الصهيونية من جانب الليبراليين والإشتراكيين والمتدينين والعلمانيين، كما أن هناك رؤى متباينة للصهيونية تتأرجح بين الرؤية الأوروبية الغربية، والرؤية الأوروبية الشرقية والرؤية الأميركية. كما توجد رؤية للصهيونية لدى العرب والفلسطينيين، كما توجد أيضاً رؤية ''إسرائيلية'' للصهيونية ورؤية يهودية خارجية لها.

      ولا تقف الإختلافات عند هذه الحدود، فهناك مَن يفهم الصهيونية على أنها مجرد دعوة لاقتسام أرض فلسطين مع شعب آخر هو الشعب الفلسطيني، وهناك مَن يراها في صورة حلقة وصل بين يهود ''إسرائيل'' ويهود الشتات، مع الأخذ في الإعتبار أن هناك من اليهود مَـن يفضّـل الشتـات على ''إسرائيل''. وقد اختلف وضع الصهيونية لدى المذاهب الصهيونية. فصهيونية "هرتسل" إعتبرت اليهود شعباً وأمة، واليهودية تقاليد دينية، بينما رأت صهيونية "آحاد هاعم" أن الصهيونية ثقافة ورسالة روحية للشعب اليهودي.

      ويثير الكثيرون مسألة البعد الأخلاقي في الصهيونية، وهو الجانب المثير للخلاف الشديـد داخل الدوائر اليهودية، فلقد تبنّت الحركة الصهيونية عدة مبادئ غير أخلاقية في تعاملها الداخلي والخارجي، أي في التعامل مع اليهود أنفسهم بين مؤيد ومعارض للصهيونية، واعتماد أسلوب العنف على المستوى الداخلي، وأيضاً اعتبار العنف والعدوانية المبدأ الأساسي في التعامل بين الصهاينة والعرب والفلسطينيين على وجه الخصوص. وكذلك اعتماد العنف كأسلوب للتعامل الصهيوني مع غير اليهود عمومـاً على مستوى الأفراد والجماعات والدول. فمثلاً، إعترض "وايزمان" على استخدام الإرهاب ضد البريطانيين، بينما شجّعه وحرّض عليه "بيغن". أما فيما يتعلق بالعرب، فإن الصراع الدائر معهم على مدى عشرات الأعوام، أدى الى تبلور مفهوم العنف والإرهاب بشكل كبير، وهناك قلّة إعتقدت أن الدفاع عن "الحلم الصهيوني" بالقوة سوف يلطّخه بالدماء. وبعد مرور خمسين عاماً على إقامة الدولة أصبـح واضحاً أن الكمال الأخلاقي ضرب من الخيال والفانتازيا، وأن التمسك بالمشروع الصهيوني وتحقيقه يتطلب خطاً براغماتياً نفعياً ينظر الى الأمور بعيداً عن المنظور الأخلاقي التقليدي، وينادي البعض بأن يسيطر القانون على الدولة، وأن تتم مواجهة الإرهاب بالوسائل القانونية.

      وإذا كان من الممكن تبرير العنف أخلاقياً حين يقع بين اليهودي وغير اليهودي، فكيف يمكن تبرير العنف الذي يقع بين يهود ويهود. ويضرب الكاتب مثالاً بمقتل رئيس الوزراء السابق "إسحاق رابين" منذ ثلاثة أعوام بالتقريب، ويعلّق على هذا الحدث بأنه لم يحدث أن اغتيل رئيس حكومة ''إسرائيليـة'' من قبل، ولم يحدث أيضاً أن قتل يهودي يهودياً من قبل باسم "صهيون"، وأن الإختيارات الـتي تواجه ''الإسرائيليين'' لم يسبق لها أن حُسمت بواسطة السلاح، ولذلك ينادي بأن يبقى الجدل حول الصهيونية واليهودية حياً لأنه يمنع من الإنحدار الى إراقة الدماء اليهودية.

      لقد أثار غياب البعد الأخلاقي في الفكر الصهيوني أزمة كبيرة عند بعض المفكرين، الذين لم يقبلوا أن تتحول الديانة اليهودية على يد الصهيونية الى ديانة غير أخلاقية تُرتكب باسمها المظالم العديدة في حق العرب الفلسطينيين. إن الصهيونية هدفت الى تحويل فلسطين الى دولة يهودية، وهذا الهدف يحتوي على بعد غير أخلاقي منذ البداية، فقد وصفت الدولة بأنها يهودية، وهذا يعني أنه لا مكان فيها لغير اليهود. ويزداد هذا البعد غير الأخلاقي تعقيداً عندما تقوم هذه الدولة اليهودية العنصرية على أرض أصحابها، عرب مسلمون ومسيحيون، ليس من حقهم أن يعيشوا في الدولة اليهودية لا لشيء إلا لأنهـم ليسوا يهوداً.

      ولتنفيذ هدف إنشاء الدولة اليهودية، إلتزمت الصهيونية بالسياسة "المكيافيلية" وفلسفتها القائلة بأن الغاية تبرر الوسيلة، فقد أعطيت أولوية قصوى لتحقيق الهدف ووضعه فوق كل اعتبار آخر بما في ذلك الإعتبار الأخلاقي، وقد بدأت الصهيونية بمحاولة رشوة السلطان عبد الحميد؛ وعندمـا فشلـت عملية الرشوة، إتجهت الصهيونية الى تهديد السلطان؛ وعندما فشلت عملية التهديد، بدأت الصهيونية تعمل على إسقاط الخلافة العثمانية، ومساعدة أعداء الدولة العثمانية بكل قوّتها، واستطاعت من خلال القوة المالية لأسرة "روتشيلد" والإستراتيجية العلمية لـ"حاييم وايزمان" أن تأخذ وعداً من الحكومة البريطانية عُرِف بـ"وعد بِلفور"، هذا الوعد القائم على أساس غير أخلاقي، حيث اتفق مَن لا يملكون الأرض على استلابها من أصحابها الحقيقيين بكل الوسائل غير الأخلاقية، تحت شعار كـاذب، هو أن فلسطين أرض بلا شعب أعطيت لشعب بلا أرض.

      وللحصول على الأرض، لجأت الصهيونية الى كل الوسائل غير الأخلاقية والبعيدة عن الشرعيـة، ومن ذلك: ممارسة الضغوط، والرشوة، وطرد السكان من أراضيهم بالقوة.

      وفي عملية تهجير اليهود من أوروبا الى فلسطين، مارست الصهيونية، مع اليهـود ومـع الدول الأوروبية، كل الضغوط والتهديدات الممكنة، فقامت أولاً بعملية "غسيل مخ" لليهود الآمنين المستقرين في أوروبا، وأرغمتهم على قبول الفكرة الصهيونية، واعتبارهم غير يهود إذا رفضوها، ودخلوا في مساومات مع النظم الفاشية والحكومات الأخرى. ومارست العنصرية بين اليهود أنفسهم حـين بَنَت إستراتيجيتها الخاصة بإنقاذ اليهود على أساس أن اليهودي المستحق للإنقاذ هو اليهودي الـذي يخدم هدف الإستيطان والتوسع في فلسطين؛ أما اليهودي الذي يرفض هذا الهدف، فلا يستحـق أن تحميه الصهيونية من العداء الأوروبي، وبخاصة العداء النازي.

      وبعد عام 1948، أعلنت الصهيونية عن هدفها غير الأخلاقي في صراحة تامة، فقد حددت هدفها في تفريغ فلسطين بالكامل من سكانها الفلسطينيين عن طريق طرد السكان بالقوة، ونـزع الملكيات، وهدم المنازل، وترويع المواطنين ودفعهم الى ترك أرضهم. وبهذا، فالصهيونية سرقت وطناً بكامله وبقوة السلاح وقتلت وشردت النساء والأطفال. وهددت الحياة الآمنة لليهود في كل بلاد العالم.

      ففي البلاد العربية، قامت الصهيونية بتهديد السكان اليهود العرب، وارتكبت أعمالاً وحشية وغير أخلاقية مع اليهود العرب، حيث دمرت معابدهم في البلاد العربية وخربت أعمالهم الإقتصادية والمالية، واغتالت وزعماءهم، وأدخلت في قلوب اليهود الرعب، الأمر الذي جعلهم يتخذون قرار الهجرة الـى فلسطين وهم كارهون. أما في فلسطين، فالممارسات غير الأخلاقية من جانب الصهيونية لا تحصى. وفي العالم ككل، مارست ''إسرائيل'' سياسة الترويع والإرهاب، ولجأت دائماً الى شتى الحروب، التي مات فيها الآلاف، ودمرت فيها عشرات المدن، وجذبت العالم العربي الى عدة حـروب، إستنفـدت كـل الطاقات البشرية والإمكانات المالية والإقتصادية، وأدت الى حدوث التخلف الإقتصادي في العديد من البلدان العربية، التي وجهت مواردها وطاقاتها الى الدفاع عن نفسها بـدلاً مـن توجيههـا للتنمية وللإصلاح والتطوير الإقتصادي والإجتماعي لمجتمعاتها.

      وفي النهاية، وقعت الديانة اليهودية ضحية هذه الممارسات الصهيونية غير الأخلاقية، فاتهمت الديانة بالعجز الأخلاقي، واتهم اليهود بالإستسلام للفكر الصهيوني العنصري، الذي لا يبالـي بالديـن والأخلاق. وارتكب الصهاينة باسم الدين اليهودي كل الممارسات الإرهابية ضد الآمنين مـن العرب واليهود على السواء، وتم تشويه صورة اليهودية في العالم فأصبحت ديانة مرتبطة بالعنـف، والإرهاب، والعدوان وغياب الأخلاق، وهي تُهم كبيرة في حق دين توحيدي يقوم على أساس من العدالة المستمدة من عدالة السماء.

 

آراء يهودية في غياب البعد الأخلاقي في الصهيونية:

      وفي العمل الصهيوني، تم التنازل عن الأخلاقيات التي يحتّمها الواجب العلمي، فضلاً عن تلك التي يوصي بها الدين اليهودي. وقد عبّرت بعض الأصوات اليهودية عن هذه الأزمة الأخلاقية التي خلقتها الصهيونية، وهي أزمة اعتُبرت مدمرة للدين اليهودي وتراثه الأخلاقي. وفي هذا يقول "هانـز كون" ( Hans Kahn): " الشر لم يكن فقط هنا وهناك، ولكنه كان ينمو بسرعة ويثبّت جـذوره، فقد أدى الإنتصار العسكري الى إقامة الدولة الجديدة التي مثلها مثل "سبرطة" و"بروسيا"، قامت على أساس من الفضيلة العسكرية، وقد مثّلت عسكرة الحياة والعقل، ليس فقط خروجاً على الصهيونيـة الإنسانيـة، ولكن أيضاً خروجاً على التاريخ الطويل لليهودية. لقد تغلبت روح العصر في القرن العشرين في وسط وشرق أوروبا على التراث اليهودي".

      ويذكر عن "حاييم وايزمان" نقده للتوجهات الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى بقولـه: "لقد حدث تساهل في الأخلاقيات الصهيونية التراثية. فقد سادت لمسة من العسكرية واستعداد للتعاون مع الشر، وتبريره، واعتباره ظاهرة لها مزاياها". ومن أهم القضايا الأخلاقية التي أثارها المفكـر اليهـودي "آحاد هاعم" بعد زيارة لفلسطين عام 1891م الإدعاء الصهيوني بأن فلسطين أرض خالية خَرِبة تنتظر عودة اليهود إليها. وقد كانت المشكلة العربية عند "آحاد هاعم" ولأسباب عملية وأخلاقية المشكلـة الأولى للصهيونية في فلسطين، والتي رغم أهميتها فقد أهملها الصهاينة. ويقول "آحاد هاعم" فـي نقد الصهاينة السياسيين في هذه المسألة: "لقد بدا لأعين معظم الصهاينة أن أرض آبائهم خالية تنتظر عودة الخلف المشتتين، كما لو أن التاريخ قد توقف لمدة ألفي عام".

      وقد أكد "آحاد هاعم" في كتاباته بعد زيارته ومشاهدته لفلسطين 1891 على أرض الواقع: "إن فلسطين ليست فقط أرضاً صغيرة، ولكنها أيضاً ليست خالية". وأكـد كذلـك، أن خلـط الآمال المسيحانية بالقدرات السياسية، سوف يؤدي بالضرورة الى كارثة أخلاقية وطبيعية. وينتقد "آحاد هاعم" السلوك الصهيوني في فلسطين بعد تنفيذ دعوى الأرض الخالية محذراً: "يجب على المستوطنين اليهود عدم إثارة غضب الوطنيين من خلال الأعمال القبيحة، ويجب أن يقابلوهم بروح الإحترام الصدوقة. ولكن ماذا فعل إخوتنا في فلسطين؟ العكس تماماً، فالذين كانوا أرقاء في أرض الشتات وجدوا أنفسهم فجأة أحراراً، وهذا التغيير أيقظ فيهم الميل الى العدوانية، فقد عاملوا العرب بكراهية وقسوة، وحرموهم من حقوقهم، وضايقوهم بدون سبب، بل لقد افتخروا بأفعالهم هذه، ولم يعترض أحد منا على هذا الإتجاه الخطير".

      ويعود "آحاد هاعم" ليقول: نحن نعتقد أن العرب همج يعيشون كالحيوانات، ولا يفهمون ما يحدث حولهم. هذا الإعتقاد خطأ عظيم. ويعلّق "كوهن" على هذا بقوله: "هذا الخطأ العظيم قوي". وللأسف الشديد منذ ذلك الحين. ولم يتوقف "آحاد هاعم" عن التحذير منه، ليس فقط من أجل العرب، ولكن أيضاً من أجل اليهودية وصهيون. وقد ظل مخلصاً لهذا الموقف الأخلاقي الى النهاية، فقد عارض في عام 1914 مقاطعة مدرّسي العبرية في فلسطين لمؤسسة التكنولوجيا اليهودية في حيفا، حين قررت، لأسباب عملية، إستخدام العربية كلغة للتعليم. كما عارض بقوة مقاطعة حركة العمال الصهيونية في فلسطين إستقدام العمال العرب، واعتبره مقاطعة عِرقية، وعجزاً أخلاقياً. وعلّق قائلاً: إذا كان هذا هو المسيح، فلا أريد أن أشاهد قدومه. ويعلّق "كوهن" على هذا الموقف الأخلاقي لـ"آحاد هاعم" بقول: لقد سار "آحاد هاعم" على النهج النبوي ليس فقط لأنه أخضع أفعال شعبه للمبادئ والقيم الأخلاقية، ولكن لأنه أيضاً تنبأ - حين لم يدرك هذا إلا القليلون - بالمخاطر الأخلاقية المهددة لصهيون". لقد أخطأ "آحاد هاعم" حين كان واثقاً من قوة التراث الأخلاقي بين زملائه الصهاينة، فبعد نصف قرن من تحذيراته عام 1914 لا يزال الموقف الأخلاقي على ما هو عليه، فالإعتماد على القوة والديبلوماسية قد نما الى حد لم يكن ليتنبأ به أحد في عام 1914م.

      لقد رأى "آحاد هاعم" في طرد السكان الفلسطينيين عملاً غير أخلاقي، من ناحية، وعملاً أحمق من الناحية العملية، فهو سيؤدي الى عدم نمو مناخ السلام بين ''إسرائيل'' وجيرانها، ولا يمكن بناء (صهيون) في ظل هذا المناخ، كما أن وجود ''إسرائيل'' سيصبح مهدداً أخلاقياً وعملياً. إن مناخ السلام يُبنى فقط بالأعمال، وليس بالكلمات، بالإتفاق وليس بالحرب والغزو. وقد عبّرت شخصيات يهودية كبيرة عن هذا التدهور الأخلاقي الذي وقعت فيه الصهيونية خلال ممارساتها وأعمالها داخل فلسطين، ومن أهمها "آحاد هاعم" و"حاييم وايزمان" والفيلسوف اليهودي الألماني "مارتن بوبر" وغيرهم.

      وفي إطار هذه الخلفية من اللاأخلاقية الصهيونية، مارس المستشرق الصهيونـي أعمالـه، وكان خروجه على الأخلاق مزدوجاً، حيث وقع فيما وقع فيه العسكريـون والسياسيـون مـن ممارسات لاأخلاقية في التعامل مع العرب والفلسطينيين، كما أنه زاد على هذا، الممارسات غير الأخلاقية في مجال العمل الإستشراقي، حيث وظف جهوده العلمية والفكرية لتحقيق الأطماع الصهيونية في فلسطيـن، فارتكب العديد من الإنتهاكات الأخلاقية على المستوى العلمي والفكري؛ ومن أهمهـا، الإستخـدام السيئ للعلم والمعرفة في سبيل إثبات دعاوى الصهيونية الكاذبة؛ ومن أهمها، دعوى الحقـوق التاريخية والدينية لليهود في فلسطين، ودعوى الأرض الفلسطينية الخالية من السكان والمنتظرة لعودة الشتـات اليهودي، ودعوى التخلف الحضاري للعرب، والرسالة الثقافية والحضارية للصهيونيـة الـى الشرق المتخلف. كما وظف جهوده العلمية في تشويه حقائق التاريخ، وتحريف نتائج الكشوفات الأثرية لصالح الدعاوى الصهيونية، وتأييد الأعمال المؤدية الى تهديد فلسطين والقدس، بل والإشتراك في وضع الخطط الثقافية لاستراتيجية التهديد، والموافقة على هدم الآثار العربية الإسلامية والمسيحية في فلسطين، من مساجد وكنائس قديمة وبيوتات آثرية ومواقع تاريخية لطمس المعالم الإسلامية والمسيحية في فلسطيـن، كما يدخل في مجموع الأعمال غير الأخلاقية التي شارك فيها المستشرق الصهيوني، سرقة التراث العربي - الإسلامي والمسيحي - ونهبه، وتغيير مضامينه وتقديمه للعالم على أنه تراث يهودي.

 

الرأي المسيحي في غياب الأخلاقيات الصهيونية:

      يصف المفكر الكاثوليكي "جوزيف ريان" ( Joseph Ryan) بعض أشكال الظلم الموروثة فـي الحركة الصهيونية وسياستها تجاه الفلسطينيين، ويعطى أربعة أمثلة على غياب العدالة في بنيـة الفكر الصهيوني وهي:

      1- قانون العودة الذي سنّته دولة ''إسرائيل''، والذي يمنح حق العودة لأي يهودي من أي مكان في العالم يرغب في "العودة" الى فلسطين، ويمنح  - بصفة فورية وتلقائيـة - الجنسيـة ''الإسرائيليـة'' وحقوق المواطَنة ''الإسرائيلية''.

      ووجه الظلم وعدم العدالة في قانون العودة، أنه في الوقت الذي يمنح أي يهودي من أي مكان حق العودة، يحرم الفلسطيني، صاحب الأرض والمجتمع، الذي ولد في فلسطين وعاش فيها، وله أهله فيهـا، يحرمه من أن يعود الى بلده، وتقبل اليهودي الذي لم تربطه بفلسطين أية علاقة في الماضي.

      ويضرب المستشرق مثالاً بالفلسطيني الذي ولد في بلدة الناصرة، وعاشت فيها أسرتـه لأجيال متعاقبة، واضطر في عام 1948م الى تركها، وعبر الحدود الى جنوب لبنان، ومنذ ذلك الوقت لم يعد في إمكانه أن يعود الى بلده. وحتى إذا عاد فلن يتمتع بالحقوق التي يتمتع بها اليهودي الذي ليست له علاقة بفلسطين، وأتى إليها من نيويورك أو سان فرانسيسكو ليصبح فيها مواطناً، بينما الفلسطيني لا يستطيع أن يكون مواطناً في بلده، لا لشيء إلا لأنه ليس يهودياً، هذه العنصرية أصبحت صارخة، في وقت يعترف فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بحق كل إنسان في العودة الى وطنه.

 

      2- المثال الثاني على عدم العدالة في الفكر الصهيوني يختص بالصندوق القومي اليهودي، والذي أسسته الحركة الصهيونية في بداية القرن العشرين للحصول على الأراضي في فلسطين ولبناء المستوطنات، فقد وضع هذا الصندوق شرطاً أساسياً لمعاملاته، وهو أنه بشراء الأرض يتـم استغلالهـا بواسطة الصندوق أو أي شخص آخر يهودي، وليس من حق غير اليهودي أن يتعامل مع هذه الأرض بالشركة أو الإستغلال، وقد تم تطبيق هذا الشرط على كل الأراضي التي أصبحت مملوكة للدولة، وهي تصل الى 90% من مساحة الدولة. والعرب الفلسطينيون ممنوعون بالقانون من امتلاك الأرض أو استغلالها أو العمل فيها، لأنهم ليسوا يهوداً، وتقوم الدولة بحملات نشطة لمراقبة هذه العمليـة، وترسل التعميمات الى المستوطنين تؤكد فيها على أن بيع  - أو تأجير - الأرض للفلسطينيين، ممنوع قانوناً.

 

      3- قوانين الدفاع:

      سنّت ''إسرائيل'' بعد قيامها العديد من قوانين الأمن التي أخذتها بشكل مباشر من قوانين حكومة الإنتداب البريطاني.. وفي عام 1946م نقد اليهود بشدة هذه القوانين، ووصفوها بأنها قوانين مضطهدة لليهود، وأنها قوانين غير إنسانية، وطالبوا بإلغائها، وبعد قيام الدولة في 1948م لم يتم إلغاء هذه القوانين التي سبق أن وصفها اليهود بأنها ظالمة وغير إنسانية، بل تم التوسع فيها والإلتزام بتطبيقها على العرب الفلسطينيين.

      وقد أشار كثير من المحامين العرب الى الممارسات ''الإسرائيلية'' غير القانونية التي تُرتكب باسم الدفاع، ومن أهمها: نزع الملكية الفلسطينية، وتحريم امتلاك الأراضي في الكثير من المناطق، بحجج أمنية دفاعية وهمية.

 

      4- الأراضي المحتلة:

      بعد عام 1967م، إرتكبت ''إسرائيل'' كثيراً من المظالم ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية وغزة، ومن أهم وجوه المظالم نزع الملكية.

      هذه المظالم الموروثة في الفكر الصهيوني لا علاقة لها بالدين اليهودي، الذي يمنـع وقـوع الظلم بالآخرين، مثله في ذلك مثل كل الأديان. والصهيونية لم تلتزم بالدين اليهـودي، وأخلاقيـات الدين اليهودي في التعامل مع العرب الفلسطينيين. إن هذه الممارسات تجعل من الصهيونية حركـة عنصرية تطورت بعيداً عن المثاليات الأخلاقية لليهودية، وتقدّم صورة سيئة لليهودي في العالم لا تتفق مع المعطيات الدينية والأخلاقية لليهودية.

      وحتى هذه اللحظة، لم تغير ''إسرائيل'' من هذه السياسات الصهيونية العنصرية في تعاملهـا مع الفلسطينيين، وستظل صورة اليهودية في العالم مشوهة طالما استمر الفكر الصهيوني في تمسّكه بالظلـم، وتجنّبه للعدالة مع الآخرين من غير اليهود.


الهوامش والمراجع

(1) Kahn, "Zion and The Jewish Jewish National Idea" in, Zionism Reconsidered The Macmillan Co., London, 1970, P: 193.

( 2) Ibid, P: 192.

( 3) Ibid, P: 194.

( 4) Ibid, P: 194.

( 5) Ibid, p: 195.

( 6) Ibid, P: 195.

( 7) Ibid, P: 196.

( 8) Ibid, P: 196.

( 9) Ibid, P: 197.

( 10) Rev. Joseph L. Ryan. "The Catholic Faith and The Problem Of  To World Peace Islamic Council Of Europe, 1980, P: 72.

( 11) Ibid, P: 73.

( 12) Ibid, P: 73 - 74.

( 13) Ibid, P: 74.