دوامة الدين والدولة في "إسرائيل"

  بقلم: عزمي بشارة

(نائب عربي في الكنيست "الإسرائيلي")


 (1)

    يُدهَش المراقب الموضوعي عندما تصل الى مسامعه أنباء القضايا غير المحلولة بين الدين والدولة في ''إسرائيل'' فقانون العودة، مثلاً، ما زال يفتقر الى تعريف "مَن هو اليهودي؟". وسؤال مَن هو اليهودي سؤال ديني في نهاية الأمر، والعوائق أمام حسمه عوائق دينية. فليس هنالك خلاف في شأن كون اليهودي هو المولود لأم يهودية، ولكن هنالك فارق بين المتدينين الأرثوذكس وبين الإتجاهين المحافظ ( conservative) والإصلاحي ( reformist) بشأن عملية التهويد، أي إذا تمت بحسب أصول الشريعة أم لا (1) . والسؤال سؤال ديني، مع أن الإجابة عنه قد تعني منح المواطَنة لليهودي "القادم الجديد"، أو عدم منحه إياها.

      وقد ثار النقاش نفسه، وبحدة بالغة في الصحافة ''الإسرائيلية'' عند محاولة المؤسسات الدينية في ''إسرائيل''، وخصوصاً "الحاخام الأكبر" (رابانوث راشيت) التشكيك في يهوديـة عـدد كبير من المهاجرين اليهود السوفيات الى ''إسرائيل'' في موجة الهجرة الجماهيرية الأخيرة (2) .

      في ''إسرائيل''، خلافاً للدول القومية الأخرى ( nation state) ، لا تتطابق الأمة مع المواطَنة، فليس كل مواطن ''إسرائيلي'' جزءاً من "الأمة ''الإسرائيلية''" التي لا تعترف المؤسسة الرسمية أصلاً بوجودها. إن أكثرية السكان في ''إسرائيل'' سكان يهود ينتمون الى أمة عالمية هي الأمة اليهودية. والنقاش الجاري في ''إسرائيل'' حالياً هو فقط بشأن ما إذا كانت ''إسرائيل'' دولة اليهود أم تعدو ذلك لتكون دولة يهودية، أي دولة ذات طابع ديني يهودي. لكن كلا الطرفين المتناقشين في ''إسرائيـل'' لا يتجاوز عملياً التطابق بين الأمة والطائفة، أو اعتبار الإنتماء الى الطائفة اليهودية انتمـاء الـى الأمة اليهودية.

      وتحتد النقاشات في ''إسرائيل'' بشأن موضوعات حقوقية عديدة تتعلق بعلاقة الدين بالدولة، مثل: عدم اعتراف الدولة بالزواج العلماني، وتدخّل المؤسسة الدينية في العديـد مـن جوانـب "الأحوال الشخصية"، الى جانب تقييد حركة المواصلات في شوارع معيّنة يسكنها المتدينون أيام السبت، ومنع استيراد لحم الخنزير، وتدخّل المؤسسة الدينية في منح لقب "كوشير" للمطاعم التي تقدّم طعامها وفق أصول الشريعة. وغالباً ما يأخذ هذا النقاش في ''إسرائيل'' شكل صراع ضد ما يسمى "فرض الدين على الدولة" - وخصوصاً مع ازدياد وزن الأحزاب الدينية الناجم عن قدرتها على فرض شروط خلال المفاوضات الحكومية، مستغلة انقسام الكنيست (البرلمان ''الإسرائيلي'') الى قسمين متعادلين بين حزب الليكود وحلفائه اليمينيين من جهة، وبين حزب العمل والأحزاب الواقعة الى يساره من جهة أخرى. وما يلفت النظر، أيضاً، رفع القوى العلمانية الصهيونية في تظاهراتها وأعمالها الإحتجاجية الأخرى شعارات تدعو الى تجنيد طلاب المدارس الدينية (اليشيفوت) للجيش ''الإسرائيلي'' (3) . أي أن النزعة الى العسكرة وطرح الجيش كقيمة عليا إخترقا صفوف العلمانيين تماماً. وفي الواقع، فإن خدمة طلاب المدارس الدينية في الجيش ''الإسرائيلي''، أو عدم خدمتهم، لا يقدّمان حلاً لمعضلة العلاقة بين الدين والدولة في ''إسرائيل''، فإذا وافقت أقسام من الأحزاب الدينية الأرثوذكسية على الخدمة في الجيش فربما تصبح ''إسرائيل'' أكثر دينية، لا أقل دينية. ويبدو أن هنالك نزعة لدى الأحزاب الدينية الأرثوذكسية غير الصهيونية الى التكيف إزاء الرأي العام في الدولة، كما تفعل ذلك في أية دولة أخرى يعتبرها اليهـود منفى، إنطلاقاً من مقولة في التلمود اليهودي "حكم صاحب الملك يعتبر حكماً" (دينا ديملكوتا دينا)، أي أن الدين اليهودي يفرد سلطة للدولة في المنفى. فهل تُعتبر ''إسرائيل'' منفى بالنسبة الى هذه الأحزاب والتيارات الدينية، وما الفارق بينها وبين التيارات الدينية الصهيونية؟ هذا هو السؤال الذي سأحـاول الإجابة عنه في الفقرة التالية.

(2)

      عندما ظهرت الصهيونية السياسية في أوروبا تبيّن أن هنالك معارضة شديدة لها في أوساط المتدينين اليهود. ولن أعالج في هذا المقال دواعي نشوء الحركة الصهيونية وأسبابه وظروفه، إلا أنه لا بـد من التعرض لبعض المبادئ الأساسية للحركة الصهيونية التي أدت الى هذا النفور الشديد لـدى المتدينين اليهود.

      أ) هوجمت الصهيونية وبشدة لأنها وضعت نصب أعينها إحلال الفكرة القوميـة عامـلاً موحداً لليهود أينما كانوا، بدلاً من تنفيذ الفرائض الدينية، والتزام تعاليم التوراة التي حافظت على تميز ووجود اليهود بين باقي الأمم، كما يدّعي المتدينون. فالصهيونية تحوّل اليهود الى أمة كباقي الأمم، وتشجعهـم على التخلي عن الواجبات الدينية.

      وهكذا، يقول الحاخام "حاييم هاليفي" من بريسك: "بالنسبة الى طائفة الصهيونيين، فقد تنظمت الآن بقوة، وأعلنت أن هدفها اقتلاع أسس ديانتنا.. على شعب ''إسرائيل'' ألا ينضم الى مغامرة تهدد بتدمير الدين.." (4) . ويقول الحاخام "غور": "على اليهودي ألا ينضم الـى الأشرار، أولئك هم الصهاينة" (5) .

      وتُعتبر الشخصيتان المذكورتان أعلاه من آباء ومؤسسي المدارس الدينية الليتوانية، التي يقودها في ''إسرائيل'' حالياً الحاخام "شاخ". ويتشعب عن هذه الحجة، أي علمانية الصهيونية فـي ذلـك الحين وعلمانية دولة ''إسرائيل'' فيما بعد، العديد من المواقف التي بدأت بمعارضة الصهيونية لأنها تهدف الى تحويل اليهود الى أمة كباقي الأمم، وانتهت بالموافقة على اعتبار ''إسرائيل'' دولة كباقي الدول من دون قبول الصهيونية. وسنرى كيف تطور هذا الموقف فيما بعد.

      ب) الحجة الثيولوجية المهمة، والتي بدأت التيارات الدينية غير الصهيونية كلها بالتلويـح بها، وانتهت في هذه الأيام لتكون حجة الأقلية بين المتدينين اليهود، ويتبناها حالياً فقط "ناتوري كارتا" (حماة الأسوار) و"أتباع ساتمر" ( Satmar Hassidism). وتتلخص هذه الحجة باعتبار الصهيونية حركة مسيانية كاذبة تحاول تعجيل النهاية بوسائل دنيوية. فخلاص اليهود بقدوم "المسيا" وجمع الشتات الخ.. هو عملية سماوية لا أرضية، ولا تتم ضمن حركة التاريخ الفعلية، وإنما تأتي كنفـي لحركـة التاريـخ الواقعية. هذه الحجة إذاً تتهم الصهيونية بالنبوة الكاذبة، وبالتدخل في شؤون السماء، فإن جمع الشتات هو من بشائر قدوم "المسيا" الذي سيقيم مملكة ''إسرائيل'' من جديد.

      لقد تبنّى هذا الموقف كل التيارات غير الصهيونية في البداية، وحتى تيار الحاخام "شنيئرسون" أو الحاخام "من لوبافتش" كما يسمى عادة هذا التيار المتحالف حالياً مع تيار ''أرض إسرائيل الكبرى''. فمع بدايات الحركة الصهيونية سُجلت لـ"شنيئرسون" تصريحات مثل: "إن مَـن يتمسـك بالتـوراة وبالوصايا لا يمكن أن يقبل هذا الشكل من مغادرة المهجر بالقوة والخلاص بقوة الذات. إن هذا السلوك يتعارض مع عقيدة ''إسرائيل'' وطموحاتها. إننا نتمنى وننتظر الخلاص بقدوم "المسيا" "  (6) .

      ج) الصهيونية "سراب وأوهام"، فهي تعتمد على حُسن نية الأمم ومساعدتها لليهود، ولا تتلاءم طبيعة الشعب اليهودي مع النشاط السياسي الدنيوي الذي يميز الشعوب الأخرى. باختصار، الصهيونية غير واقعية، ولن تتحقق. هذه الحجة ضعفت بالتدريج مع بوادر نجاح المشروع الصهيوني ووعد بِلفور ثم قرار التقسيم. وعملياً، وفي يومنا هذا، تتمسك الإتجاهات الدينية الأرثوذكسية بالحجة الأولى، أما الحجة الثانية فهي من نصيب المغالين في العداء للصهيونية من منطلقات "مسيانية".

(3)

      طرأ على موقف اليهودية التقليدية من المشروع الصهيوني تحوّل متدرج، تأثر بالأحداث السياسية قبل قيام ''إسرائيل''. وكانت الكارثة التي حلّت بيهود شرق أوروبا ومركزها من أهم هذه التحولات، إذ نجم عنها تحطيم وبعثرة المراكز الدينية القوية والأساسية في أوروبا الشرقية. وانتقل مركز الثقل الى المراكز الدينية في ''إسرائيل'' والولايات المتحدة. ومع أن أكثرية التيارات التقليدية حافظت على موقف غير صهيوني إلا أنها انتقلت بالتدريج الى التعايش مع الصهيونية، بل التحالف معها بعد قيام الدولة اليهودية. وذلك باعتبار ''إسرائيل'' واقعاً تاريخياً، وكل واقع تاريخي غير "مسياني" هو منفى بالنسبة الى اليهودية التقليدية: "الشعب اليهودي ما زال في المنفى حتى ظهور المخلّص، وحتى لو كان مكان إقامته دولة ''إسرائيل'' فهي ليست خلاصاً ولا بداية الخلاص" (7) . هذا هو موقف الحاخام "أليعيزر مناحم شاخ" الذي يخضع لتوجيهاته حزبان دينيان في ''إسرائيل'' حالياً.

      سنحاول تصوير التطور التاريخي في مواقف التيارات الدينية غير الصهيونية بمتابعة التحول في مواقف حزب "أغودات يسرائيل" الذي أقيم سنة 1912 لتوحيد التيارات الدينية المعادية للصهيونية.

      كما يبدو، شكّل وعد بِلفور في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 نقطة التحول التاريخية، فقد فُسّر وعد بِلفور بأنه نوع من أنواع العناية الإلهية، بل اعتبره البعض معجزة وإشارة الى إرادة الخالق التي تتجلّى في تعامل "الأمم" (غير اليهود) مع اليهود. ومع الإنجازات التي حققها الإستيطان اليهودي في فلسطين في الثلاثينات، ومشروع تقسيم لجنة بيل (تشرين الأول/ أكتوبر 1937)، تبلور موقف يدعو الى تأييد إقامة ''دولة إسرائيل'' من منطلق عدم البقاء على هامش السياسة اليهودية، ومن أجل التفاعل معها والتأثير فيها. غير أن الأغلبية أصدرت في النهاية قراراً يلتزم الموقف التقليدي، لكن يعتمد في الأساس، في رفضه للدولة اليهودية، على طابعها العلماني المؤكد: " "أغودات يسرائيل" في أرض ''إسرائيل'' ترفض رفضاً باتاً كل محاولة لنزع القدسية عن أرض ''إسرائيل''، وتعتبر اقتراح إقامة دولة يهودية علمانية في فلسطين تهديداً للمهمة السامية للشعب اليهودي كأمة مقدسة" (8) .

      لكن هذا الموقف يحمل في طياته إمكانات الحلول الوسط. وبدأ موقف "أغودات" بالتطور فعلاً في اتجاه التحاور مع قيادة الحركة الصهيونية، ومفاوضتها بشن ضمانات تقدّمها هـذه الدولـة لاحتـرام الشريعة اليهودية. وعشية قرار التقسيم توصل هذا الحزب الى موقف مفاده أنه لا يستطيع معارضة قيام الدولة علناً، كما لا يستطيع دعم قيامها لأنها ستكون دولة علمانية (9) .

      إنتصرت في هذه النقاشات مواقف الحاخام "يتسحاق ليفين"، قائد "أغـودات يسرائيـل" فـي فلسطين)، والذي شارك فيما بعد في اللجنة الأمنية التابعة للدولة اليهوديـة وفـي الحكومـة المؤقتة ''الإسرائيلية'' بعد إعلان قيام الدولة، على مواقف القائد التاريخي لـ"أغـودات يسرائيـل" الحاخام "الحانان فاسرمان"، الذي اعتبر ''إسرائيل'' منفى مزدوجاً (10) .

      لقد بدأت المفاوضات بين "أغودات يسارئيل" كحزب سياسي ديني، وبين القيادة العلمانية للحركة الصهيونية منذ تلك الفترة، وشكّلت هذه المفاوضات نقطة البداية لعلاقة معقدة إستمرت منذ قيام الدولة بين القيادة الصهيونية العلمانية وبين الأحزاب الدينية الأرثوذكسية في ''إسرائيل''. وتمحورت المفاوضات في تلك الفترة حول الأمور التالية: (1) قوانين الأحوال الشخصية، (2) السبت، (3) قوانين تتعلق بالغذاء "الكوشير"، (4) "أوتونوميا" للتعليم الديني اليهودي، أي عدم جعـل التعليـم العلماني إلزاميا، (5) حرية العبادة. أود أن أذكر أن هذه المفاوضات جرت قبل قيام الدولة. ولم يتعهـد "بن غوريون" إلا بحرية العبادات وعدم الإجبار على التعليم العلماني.

      وعشية قرار التقسيم، بدأت أصوات مؤيدة لقيام ''إسرائيل'' ترتفع أكثر فأكثر داخل "أغودات"، مفسرة قرارات الأمم المتحدة وتعاطف المجتمع الدولي مع اليهود بأنها مظاهر العناية الإلهية. وفي الحقيقة، إن "أغودات"، كحزب سياسي، شعر بالعزلة التامة في السياسة اليهودية في تلك الفترة، وأراد أن يؤمّن مصالحه، وذلك بالوجود والتأثير في مراكز صنع القرار السياسي. وهكذا، يقول الحاخام "ليفي"، وزير الشؤون الإجتماعية، في اجتماعه الى مجلس كبار التوراة بتاريخ 16 شباط/ فبراير 1949: "لا شك في أن يد الله تحرك كل شيء.. نحن نواجه تناقضات حادة. لقد كان موقف "أغودات يسرائيـل" الأولـي معارضة الحياة العامة التي لا تتفق مع التوراة. والآن تشكّل دولة ''إسرائيل'' إستمـراراً للصهيونية، وتحقيقاً لتطلعاتها. من الناحية الأخرى، لو قام مجلس كبار التوراة واليهودية الأرثوذكسية، بصورة عامة، بالتدخل في هذه القضايا منذ بدايتها، لما كنا أقلية، ولكانت الأمور تختلف عما نحن عليه الآن.." (11) .

      غير أن مواقف "ليفين" عكست فقط مزاجاً مؤقتاً داخل "أغودات يسرائيل". وبدأ التوجه العام في أوساط اليهودية الأرثوذكسية ينتقل بالتدريج الى موقف "متوازن"، هو الإعتراف الواقعي ( de facto) بالدولة من دون منحها اعترافاً حقوقياً ( de jure) ، أي رفض الأساس الإيديولوجي للدولة والتعامل مع مؤسساتها في آن واحد. ويعتبر هذا الموقف عودة الى مواقف الحاخام "أبراهام يشعياهو كارليتنر"، الذي لم يساوِ بين الدولة وظلمات المنفى، كما لم يرها خلاصاً بالتأكيد، وإنما أمراً إداريـاً تقنيـاً فقط(12). وبموجب هذا الموقف "لا توجد قيمة مستقلة مطلقة في التوراة إلا للرب تبارك اسمه وخدمة الرب. إن قيمة الدولة ومؤسساتها تقاس بمدى ما تقرّب الشعب الى الله والتوراة وفرائضها" (13) .

      وبصورة عامة، لم يشارك "أغودات يسرائيل" في الحكومات ''الإسرائيلية'' المتعاقبة. لكنه شارك في الإئتلافات ولجان الكنيست، وحاول الحصول على ميزانيات للمؤسسات الدينية والإجتماعية التي يرعاها. وانتقل "غودات"، فيما بعد، الى المطالبة بمناصب مهمة في لجان الكنيست، ورأس لجنة المال عدة مرات. لكن، وفي الأعوام الأخيرة، ظهرت في ''إسرائيل'' أحزاب أرثوذكسية دينية تنافس "أغودات يسرائيل" وتوافق على الإنضمام حتى الى الحكومة.

      وكما يبدو، فإن الإنتقال من هامش الحياة السياسية الى مركزها، وإن كان بحاجة الـى موقف سيايس، يدفع في اتجاه تحقيق مصلحة سياسية، فإن الوجود في مركز الحياة السياسية والإقتصادية يؤثر بنيوياً في الحركات السياسية، ويؤدي في نهاية الأمر الى تكيفها الإيديولوجي إزاء الواقع الجديد. والعمل داخل السلطة السياسية يعني التطلع في النهاية الى المزيد من السلطة.

      عندما ثار نقاش بين قيادة "أغودات يسرائيل" في فلسطين وقيادتها في الولايـات المتحـدة، التي عارضت الإنضمام الى الحكومة المؤقتة، كان تبرير القيادة المحلية لمشاركتها منطلقاً من موقف الضعف، موقف الأقلية المضطرة الى الإنضمام الى الحكومة لتأمين مصالحها. لكن التطور إستبدل منطق الضعف بمنطق القوة، منطق السلطة والتأثير فيها فيما بعد، لا لتأمين الحريات الدينية، وإنما من أجل فرض الشرائع الدينية على الحياة اليومية للأكثرية العلمانية.

(4)

      إذا وضعنا جانباً موقف "ناتوري كارتا" المثابر ضد وجود ''إسرائيل'' من منطلق ثيولوجـي، فقد حدث بعد سنة 1967 داخل التيارات الدينية الأرثوذكسية تقطب من نوع جديد لم نشهده من قبل، وإن كانت بذوره الفكرية موجودة. وقد تحوّل موقف "أغودات يسرائيل"، في سياق هذا الإستقطاب الجديد، الى موقف وسطي يتعامل مع الدولة من أجل تأمين وتوسيع مصالح الفئات التي يمثلها الحزب. واحتلال "أغودات يسرائيل" موقعاً وسطياً ناجم عن تميز قوى قديمة بمواقف جديدة.

      بعد احتلال ما تبقّى من فلسطين في حرب حزيران/ يونيو 1967، طرأ تحوّل على مواقف معظم الأحزاب الدينية الصهيونية وغير الصهيونية من اعتبار هذه الحرب معجزة وإشارة ربانية، الى اعتبارها بداية الخلاص. وفي الأوساط الدينية غير الصهيونية، إنطلق الصوت الجديد من الولايات المتحدة، موطن زعيم حركة "حاباد"، الحاخام "شنيئرسون"، الملقب الحاخام "من لوبافتش". ويتلخص الموقـف الجديد بالقول إنه صحيح أن دولة ''إسرائيل'' ككيان صهيوني هي تعبير عن الكفر والتمـرد على إرادة الله، ولذلك فهي بالتأكيد ليست تعبيراً عن الخلاص. لكن، ومن ناحية أخرى، فإن ''أرض إسرائيل'' بسيادة يهودية تنطوي على مغازٍ دينية ذات أهمية. ولذلك، تدعو هذه الحركة الى عدم التنازل عن أي من الأراضي التي احتُلت سنة 1967، وذلك من منطلق أحكام الشريعة الدينية.

      لقد تأثر هذا الموقف منذ البداية بما سماه "المعجزات والإشارات السماوية"، التي تجلّت بالإنتصارات في الحروب المختلفة، وخصوصاً حرب 1948 وحرب 1967. وقد اعتمد قسم من هذا التيار، فـي تأكيده عدم قدسية ''إسرائيل''، على الفارق بين ''دولة إسرائيـل'' و''أرض إسرائيـل''، فـ''دولـة إسرائيل'' حتى سنة 1967 قامت على جزء من ''أرض إسرائيل''، وعلى ذلك الجزء بالذات الذي لا يمثّل مكاناً مهماً في التقاليد الدينية اليهودية. لكن، وبعد احتلال سنـة 1967، زال الفـارق عملياً وأصبح هناك تطابق بين ''أرض إسرائيل'' وهي مفهوم ديني، وبين ''دولة إسرائيل'' وهي مفهوم سياسي علماني، ووقعت الحجة القديمة في مأزق، وجد له حلاً باقتراب أتباع هذا التيار بالتدريج من الأوساط اليمينية في ''إسرائيل''، أو ''لوبي أرض إسرائيل'' كما تسمي هذه الأوساط نفسها. ومع أن أتباع حركة "حاباد" قاموا بدعم "أغودات يسرائيل" في انتخابات الكنيست، إلا أنه تبيّن بعد الإنتخابات أن مؤيدي الحاخام "من لوبافتش" غير مستعدين لدعم برنامج سلام "معراخي" يقوم على التنازل عن أقسـام من ''أرض إسرائيل''. وقد تبددت أوهام حزب العمل ''الإسرائيلي'' بشـأن تأليـف حكومة (1990) برئاسته بعد أن وصل رفض هذه الأوساط لمثل هذه الحكومة الى حد الإنشقاق عن "أغودات يسرائيل" ودعم حكومة برئاسة الليكود. ومع أن هذا التيار ما زال غير صهيوني، إلا أن تحوّل ''أرض إسرائيل'' الى قيمة دينية في نظره جعله يقترب كثيراً من مواقف "غوش إيمونيم".

      أما التيار الثاني القديم الجديد، فهو التيار الذي تمثله المدارس الدينية الليتوانيـة بزعامـة الحاخام "أليعيزر مناحم شاخ"، وهو الآن شخصية متميزة في عالم المتدينين اليهود. وقد ساهم الحاخام "شاخ" بعد انشقاقه عن "مجلس كبار التوراة"، السلطة الروحية لـ"أغودات يسرائيل"، في إقامة حزبين هما: حركة "شاس" التي يقاسمه زعامتها الروحية الحاخام الشرقي "عوفاديا يوسف"، وحركة "ديغل هتوراه" (علم التوراة) التي لا ينافسه أحد في زعامتها. ولا يتسع المجال هنا للبحث في الوضع السياسي الجديد الذي نجم عن ولوج هذه الحركات صلب السياسة ''الإسرائيلية''. ما يهمنا هنا هو التيار الفكري الذي يمثله الحاخام "شاخ".

      ينظر الحاخام "شاخ" الى ''دولة إسرائيل'' نظرة براغماتية مغالية في براغماتيتها، لأنه ينزع أي قيمة مقدسة عن ''إسرائيل''، فلا هي "بداية الخلاص" كما تعتقد "غوش إيمونيم"، ولا هي "مقدمـة لبداية الخلاص إذا أُحسن استخدامها" كما تدّعي أوساط من "أغودات يسرائيل"، وليست ''أرض إسرائيل'' مقدسة بحد ذاتها.

      ويعتقد الحاخام "شاخ" بقدوم "المسيا"، أي أن هنالك جانباً "مسيانياً" في تدينه. إلا أنه لا يرى أي عنصر "مسياني" في الواقع، فالواقع التاريخي يتطور بموجب منطقه الداخلي. والتوراة حافظـت على الشعب اليهودي "ألوف السنين"، فهل نستبدلها بشيء آخر، بماذا؟" (14) . التوراة هي التي حافظت على شعب ''إسرائيل''، لا الدولة.

      وينقسم العالم، في نظر الحاخام "شاخ"، الى يهود وغير يهود (الأمم). والمقولة التلمودية والتوراتية: "عليك ألا تعجل النهاية، وألا تتمرد ضد الأمم" تحمل، لدى هذا التيار، معاني محددة. فالتمرد ضد الأمم لا يعني أن على اليهود البقاء في منفاهم الجغرافي، وألا يقيموا دولة يهوديـة، بـل يعـني أن تتعامـل ''إسرائيل'' بحذر مع الدول العظمى ومع العرب، وعليها أن تكون مستعدة لتقديم تنازلات مـن أجل السلام، وهذا موقف يتبناه بشكل أكثر حدة الحاخام "عوفاديا يوسف"، الذي يدعو الى تفضيل "سلامة اليهود على سلامة ''أرض إسرائيل''". لكن، ومن ناحية أخرى، فإن الحاخام "شاخ" يطرح أمام الصهيونية تحدياً جديداً هو وطنية يهودية تنظر الى غير اليهود بريبة وحذر. فالصهيونية تحـاول تحويل اليهود الى أمة كباقي الأمم، لكنهم ليسوا كذلك. فالأمم تترقب الفرصة للإنقضاض على اليهود: "من البديهي أن يكره عيسى يعقوب" (15) . وعلى اليهود أن يفوّتوا الفرصة على غير اليهود. عليهم إذاً أن يتصرفوا بحكمة وحذر، وأن يتقنوا إجراء الحلول الوسط.

      تثير مواقف الحاخام "شاخ" في ''إسرائيل'' إهتماماً واسعاً، لأنه المرشد الروحي لأحـزاب دينية ترجح كفة هذا الإئتلاف الوزاري على ذلك. وقد طرأ تحوّل جذري على مواقفه من المشاركـة فـي الحكومات ''الإسرائيلية''، من الرفض العام لهذه المشاركة عندما تزعّم تياراً معارضاً في "مجلـس كبار التوراة". ففي سنة 1965، حمل "شاخ" بشدة على الحزب القومي الديني (المفدال) لأنه يشارك فـي الحكومات ''الإسرائيلية'': "ليست الدولة دولة شريعة، بل دولة القانون (العلمانـي).. ولهذه الدولة يتنازلون، وفيها يشاركون في تحمّل المسؤولية.. الى أين سيقود كل هذا؟" (16) .

      فيما عدا "ناتوري كارتا"، المعادية للصهيونية ولوجود الدولة، ينقسم التدين التقليدي الأرثوذكسي ( haredi) الى ثلاثة تيارات أساسية، يجمعها العداء للطبيعة العلمانية للدولة، واعتبار ''إسرائيل'' نوعاً من أنواع المنفى. والمقصود بالمنفى في هذه الحالة ليس بعداً جغرافياً، بل بعد روحي، أي أن المصطلح ليس مصطلحاً سياسياً بل ثيولوجي ميتافيزيقي لا يغيره نيل الإستقلال. كل واقع غير "مسيـاني" هو منفى. لكن هذه التيارات اختلفت فيما بينها في مواقف تتدرج من التعايش مع دولة ''إسرائيل'' كدولة غريبة، يجب التعامل معها كما تتعامل "الجوالي" اليهودية مع الدول الأجنبية، الى إضفاء صبغة دينية محدودة على دولة ''إسرائيل''، كون قيامها كان نوعاً من أنواع العناية الإلهية لإنقاذ أرواح اليهـود، رافقته معجزات متكررة، أهمها الإنتصار في الحرب سنة 1967. كما تضفي أوساط من هذه التيارات صبغة القدسية على الوجود اليهودي على ''أرض إسرائيل''، وذلك بصورة مجردة من دون دخول نقاش في شأن وجوب أو عدم وجوب الإستيطان كفريضة يهودية دينية، وهي نقاشات تدور في الأوساط الدينية الصهيونية.

      لم يتبادر الى أذهان ممثلي هذه التيارات، في يوم من الأيام، وهم تحويل ''إسرائيل'' الى دولة شريعة، لأن دولة الشريعة ستقوم بمجيء المخلّص "المسيا". لكنهم يطالبون بأن تحترم الدولة الشريعة الدينية، ويحاولون استغلال الدولة لدعم مشاريعهم الإجتماعية والإقتصادية والدينية. الغريب أن القوى الدينية، التي وضعت نصب أعينها تحويل ''إسرائيل'' الى دولة شريعة، هي القوى الدينية الصهيونية (17) التي أخذت طابعاً "معتدلاً" في العقود الأولى لقيام الدولة. لكن إذا أمعنا النظر جيداً نصل الى خلاصة مفادها أنه من المنطقي أن تطرح الصهيونية الدينية بالذات مثل هذه المهمات، لأن الدولة بالنسبة إليها هي مقدمة مجيء المخلّص وللدولة معانٍ دينية "مسيانية". ولذلك، فمن الأصح إطلاق اسم "السلفية" على الحركات الصهيونية الدينية التي تتوقف الى إعادة ربط الدين بالدولة فعلياً وواقعياً وليس جوهرياً فقط؛ في حين لا يصح إطلاق تسمية "السلفية" على الحركات الدينية التقليدية، لأنها لم تمر أصلاً بعملية علمنة. السلفية هي نتاج الفصل بين الدين والدولة. والدين والدولة لم ينفصلا بالنسبة الى هذه الحركات الأخيرة، التي ما زالت تنتظر قيام الدولة اليهودية بقدوم المخلّص. أما دولة ''إسرائيل'' فليست دولة يهودية، وإنما دولة اليهود.

      ننتقل إذاً الى معالجة موضوع الصهيونية الدينية، التي وصلت في تطورها، وخصوصاً بعد سنة 1967، الى إنجاب الحركات السلفية المتطرفة التي تلتقي، كما هو مبيّن في مقدمة هذا البحث، مع القومية ''الإسرائيلية'' العلمانية المتطرفة.

(5)

      بدت الصهيونية الدينية لدى نشأتها ذات طابع وسطي توفيقي، فقد حاولت أن تجمع بين الدين والصهيونية في تيار واحد، من دون أن تخلط بينهما. فالصهيوني يستطيع أن يكون متديناً، والمتدين صهيونياً، من دون أن تكون للصهيونية قيمة دينية (18) . ووجدت هذه الدعوة آذاناً صاغية لدى أوساط "الأرثوذكس الجدد" في أوروبا الشرقية، حتى تأسست حركة "همزراحي" (المركز الروحي) بقيادة الحاخام "راينس"، كجناح ديني" داخل المنظمة الصهيونية العالمية سنة 1901. ويُعتبر الحزب القومي الديني (المفدال) إستمراراً لهذه الحركة.

      كان لا بد للحركة التي وحّدت الصهيونية والدين بصورة واعية، من أن تخلط مع الوقت بينهما، ذلك بأن الصهيونية لم تفصل أصلاً الإنتماء الديني عن الإنتماء القومي. ولقد حدث ذلك خاصة في أكثر الأوساط "ديمقراطية" و"طلائعية" في هذه الحركة، أي تلك التي مارست الإستيطان مباشرة، أي مارست الصهيونية بشكلها المكثف، وأقامت حركة "هبوعيل همزراحي" سنة 1922، التي أقامـت بدورها "الكيبوتسات" الدينية.

      لم يكن الجناح الديني في الحركة الصهيونية ذا أهمية تذكر في البداية، فقد حورب بشدة من قِبل الأوساط الدينية غير الصهيونية، ونظر إليه العلمانيون الصهيونيون نظرة ازدراء، لأنه ذكّرهم بالجانب الديني لليهودية، ذلك الجانب الذي يعيد الى الأذهان حياة الذل في "الشتات"، فهم طلائعيـو حركة قومية علمانية أوروبية جاءت كي تنفي المنفى. وقد تغير هذا الموقف النخبوي بالتدريـج مع الهجرة المكثفة الجماهيرية غير الطلائعية الى فلسطين في أعقاب الكارثة، وفيما بعد في إثر تضعضع "الأوتوبيا" الإشتراكية لحركة العمل الصهيونية. لكن نقطة التحول الأساسية كانت الإنتصار "المعجزة" سنة 1967.

      حركة المتدينين الصهيونيين، هي الحركة التي استوعبت في داخلها صراع النقائض بين التدين والعلمانية في الصهيونية، ليتحول الى توتر داخلي في الحركة نفسها. وكتب الحاخام "راينس"، مؤسس "همزراحي"، سنة 1899 عن الفكرة الصهيونية: "هذه الفكرة لا تحمل أي حرف من فكرة الخلاص، ولا تمس أي شيء له علاقة بها" (19) ، لكن الشخص نفسه الذي يحاول أن يفصل بين الأمرين عاد فانبهر من التماس "الغريب" بين الصهيونية والرؤيا "المسيانية" ("جمع الشتات"، التحرر من "ملكوت الأغيار"، أثمار أشجار ''إسرائيل''، وغير ذلك من مظاهر قدوم "المسيا") (20) . وقد جمعت هـذه الحركـة ككل تناقضات الحركة الصهيونية. فإلى جانب صراعها مع المتدينين غير الصهيونيين من جهة، ومع العلمانيين الصهيونيين من جهة أخرى، جاء صراعها الداخلي بين المفاهيم العلمانية للدولة التي تستمد سلطتها من إرادة الشعب، وبين الشريعة كمفهوم ديني يستمد معانيه من إرادة الله والتوراة، بين البعد الثيولوجي "المسياني" للدولة وبين البعد العلماني الدنيوي.

      إنفجرت هذه المتناقضات بعد حرب 1967، التي أكدت البعد الثيولوجي الميتافيزيقـي للدولة اليهودية بالنسبة الى المتدينين اليهود. وقد تجسد هذا الإنفجار في النشاط السياسي لشبان حركة "بني عكيفا" الذين تربَّوا على قيم العمل العبري والإستيطان جنباً الى جنب مع القيم الدينية اليهودية. وكان خريجو حركة "بني عكيفا" يجدون موقعهم الطبيعي في حزب المفدال. لكن، وبعد حرب 1967، بدأت توفيقية هذا الحزب تظهر كتوفيقية مصطنعة، وبدأ اندماج هذا الحزب في الإئتلافات مع حزب العمل يثير لديهم النفور.

      غير أن ثورة الشباب في حزب المفدال لم تأتِ في الحال بفكر ديني جديد. فعندما نشبت الأزمة كان الفكر الديني الذي يعبّر عن البعد الديني للحركة الصهيونية، ويرفض اعتبار التدين والصهيونية أمرين منفصلين، كان هذا الفكر جاهزاً على شكل منظومة غيبية متكاملة نظّر لها، منـذ زمن بعيد، الحاخام "كوك" من مدرسته الدينية المدعوة "مركاز هراب" في القدس.

(6)

      إنتشر دعاة هذا التيار منذ نهاية القرن الماضي بين "الجوالي" اليهودية في شرق أوروبا، وكان من أبرزهم الحاخام "كاليشر" والحاخام "يهودا القلعي" (21) . لكن أبرز وأشهر ممثلي هذا التيار كان الحاخام "أبراهام يهودا هليفي كوك"، الذي يُعتبر ابنه ومكمّل طريقه الحاخام "تسفـي يهـودا كوك"، الأب الروحي لحركة "غوش إيمونيم".

      يشكّل فكر الحاخام "كوك" إنعكاساً دينياً واعياً للفكرة الصهيونية. فالرؤيا "المسيانية" والخلاص ليسا منافيين لحركة التاريخ، بل هما جوهر الحركة التاريخية ذاتها. وخطة الحركة التاريخية مقررة سلفاً، وهي تتجه نحو الخلاص وقدوم "المسيا".

      الصهيونية هي استجابة لنداء الرب (22) ، بل هي الإرادة الإلهية نفسها، وقد تجسدت على شكل حركة علمانية. والعلمانيون الصهيونيون ينفذون إرادة الله من دون أن يدركوا ذلك في وعيهم الذاتي: "فإن ما يريدونه لا يعلمونه هم أنفسهم" (23) .

      بذلك، حل الحاخام "كوك" تناقضات التيار الصهيوني الديني، كما بدا لشبان حركة "بني عكيفا" وحزب المفدال، ورد بشدة على انتقادات اليهود الأرثوذكس ضد التعاون مع العلمانيين، مبيّناً أن من الضروري التمييز بين الإرادة والرغبة الذاتية للفرد الفاعل في التاريخ، وبين النتائج الموضوعية لأعماله. إن الصهيونيين وإن أرادوا مشروعاً علمانياً قومياً، فإنهم أدوات في يد الله يصنع بهم الخلاص لشعبه.

      إن أفكار الحاخام "كوك"، مثل غيرها من الأفكار الغيبية، ترى في الواقع المادي الملموس فكرة، بل خطة ميتافيزيقية تخلط الدين والسياسة والأخلاق بحركة الواقع ذاتها، متحولة الى إيديولوجيا متكاملة تبرز فيها ''أرض إسرائيل'' والإستيطان والزي العسكري قيماً مقدسة في خطة ربانية. والغريب، كما قلت في البداية، أنها القيم المقدسة نفسها لدى المتطرفين الصهيونيين العلمانيين فـي معسكـر اليمين ''الإسرائيلي''. السلفية الدينية والتطرف القومي، يلتقيان (في حين يتصارع التياران في العالـم العربي مثلاً).

      إن الشعب اليهودي لا ينتظر الخلاص، وإنما ينفذ هذه العملية في دولته. "وعندما نسأل إذا كانت الأمة تمر بمرحلة الخلاص، فإن الإجابة لا تحتمل تفسيرين: الشعب اليهودي موجود الآن في خضمّ عملية الخلاص" (24) . هذا هو التحليل الذي تبنّاه "تسفي يهودا كوك" إبن الحاخام "كوك"، والذي تحولت فتاويه الدينية الى أوامر وقوانين بالنسبة الى حركة "غوش إيمونيم"، التي تأسست سنة 1974. لقد أصدر هذا الحاخام نداءاً مشهوراً بعدم نسيان القدس ونابلس والخليل قبل 26 يوماً من نشوب "حرب الأيام الستة". وتحوّل هذا النداء الى نبوءة بالنسبة الى مؤيديه الشباب.

(7)

      تأسست حركة "غوش إيمونيم" رسمياً في نهاية شتاء سنة 1974، على شكل تمرد داخـل حزب المفدال الذي وافق على الإنضمام الى حكومة "رابين" الإئتلافية، وهي حكومة فصل القوات مع مصر وسوريا، والإستعداد للحلول الوسط في قضية الأراضي المحتلة. لكن تأسيس الحركة الفعلي كان بعد حرب حزيران/ يونيو، أواخر صيف سنة 1967، وذلك على شكل مؤتمر خريجـي مدرسة "مركاز هراب". وقد وجه المؤتمر ثلاثة أسئلة الى الحاضرين والقضاة اليهود:

 - هل يُسمح، وفق تعاليم التوراة، بالتخلي عن "مناطق محررة من أرض ''إسرائيل''؟

 - هل يُسمح بالتخلي عن مناطق محتلة خوفاً من استيعاب عدد كبير من العرب داخـل حدود دولة ''إسرائيل''؟

 - هل يجب أن يرغمنا الضغط الدولي على الإنسحاب؟

      وكما نلاحظ، فإن الأسئلة الثلاثة هي الأسئلة ذاتها التي كانت تُطـرح يوميـاً فـي الشارع ''الإسرائيلي''. لكن الجديد في الأمر هو: (1) أن الأسئلة صيغت صيغة دينية، (2) أنها طُرحت للحسم بموجب الشريعة اليهودية، لا بموجب موازين القوى والمصالح السياسية وغيرها من الإعتبارات. عاش الدين حتى ذلك الحين جنباً الى جنب مع السياسة، تاركاً تصريف الشؤون السياسية للسياسيين. وكان رجل المفدال يتحول الى سياسي علماني عندما يبت مثل هذه المسائل، ثم يعود فيلبس ثوب الدين عند بتّ المسائل الدينية. واقعان منفصلان في عالم نشيطي حزب المفدال. لكن الوضع اختلف جذرياً عندما بدأت الأسئلة السياسية تصاغ بلغة دينية، ولا توجه الى الكنيست والحكم والصحافة والرأي العام، بل توجه الى الحاخاميين والقضاة المشتغلين حتى الآن بقضايا الأحوال الشخصية، التي أفردها لهم القانون ''الإسرائيلي''.

      زودت الإيديولوجيا الدينية الغيبية أتباعها بسلاح جديد لفهم الواقع: فإذا كانت حرب 1967 بداية الخلاص المرتقب وتحقيق النبوءة، فإن حرب 1973، التي أزاحت عن كاهل الحركـات الدينية الأرثوذكسية عبء المعجزات التي تحققها ''إسرائيل'' منذ قيامها، إن هذه الحرب بالنسبة الى خريجي "بني عكيفا" ومدرسة "مركاز هراب" تعبّر عن آلام المخاض التي تسبق قدوم "المسيا". كل شيء يجد مكانه الطبيعي في الإيديولوجيا المتكاملة، ولا مكان للشذوذ. وقدوم "المسيا" الذي تختلف في شأنه التفسيرات اللاهوتية في التيارات الدينية المختلفة، يعني بالنسبة إليهم أمراً واحداً: إقامـة ملكـوت ''إسرائيـل''. ولذلك، فإن همّ الحركة الأول والأخير هو الموضوعات المتعلقة بـ''أرض إسرائيل''، وتتحول الشريعة الدينية الى إيديولوجيا تبريرية لأغراض الإحتفاظ بـ''أرض إسرائيل''" (25) .

      يستند نشيطو حركة "غوش إيمونيم" الى مصادر إيديولوجية محددة، وإن كانوا لا يرغمون مؤيديهم على تبنّيها، فالحركة ليست حزباً، وإنما حركة شعبية غير ملتزمة إلا المحافظة على ''أرض إسرائيل''. لكن لهذه الحركة نواة إيديولوجية قومية تستند الى التراث الديني اليهودي ومصادر علمانية عديدة، قسم منها في حركة العمل الصهيونية، وقسم آخر في الحركة الصهيونية التصحيحية ( Revisionist Zionism) ، لكن نواتها الإيديولوجية لم تعد مدرسة لاهوتية تفسيرية كالتي أسسها الحاخام "كوك". إنها حركة سياسية (مثل كل الحركات السلفية) تقتبس من التراث الديني ما يخدم أهدافها السياسية. وتشكيل فلسفة أو مدرسة دينية متكاملة يضيف قطباً جديداً الى حلبة الصراع الفكري، لكن الحركات السلفية ليست مدارس دينية أو فلسفية، فكل الدين، وكل الفلسفة، وكل التراث، هي بالنسبة إليها إيديولوجية تقتبس منها اقتباساً إنتقائياً. الفلسفة والتراث كنزان للإقتباسات والتبريرات الإيديولوجية.

      هكذا تستلّ الفتاوى من "الرامبان" الذي عاش في القدس ضمن جالية يهودية من ثلاثة أشخاص في نهاية القرن الثالث عشر، أو من "الرامبام" الذي سبقه بثلاثين عاماً. ويتحول الله الحائز على عدة أسماء في الديانة اليهودية، منها "السلام"، الى "رب الجنود"، و"رب الإنتقام"، و"رب مقاتل". وهي أسماء أخرى للإله نفسه عند العبرانيين القدماء. وهكذا، أيضاً يصبح من الممكن المرور مر الكـرام بالنبـوءة الكونية للنبي أشعيا بشأن السلام، للحديث عن السلام الواحد والوحيد، السلام الداخلي لشعب ''إسرائيل''. وهو مجرد حلقة وصل بين حربين يخوضهما شعب ''إسرائيل'' مع الأمم الأخرى، كما يقول الحاخام "ليفنغر": "السلام ليس هدفاً بحد ذاته، إنه أداة مهمة لتنظيم الحياة وتحقيق الرؤيا. إن تقدّم شعب ''إسرائيل'' وعملية الخلاص لشعب و''أرض إسرائيل'' هما أكثر أهمية من هذا السلام المزعوم. عندما نحقق هذين الهدفين سيكون بطبيعة الحال سلام لكل العالم" (26) .

(8)

      قال "حاييم وايزمن"، القائد الصهيوني العلماني، أمام المؤتمر الصهيوني العشرين سنة 1937: "لقد وعد الله اليهود بمنحهم ''أرض إسرائيل''، وهذا الوعد هو وثيقتنا الأكثر أهمية". وأمام اللجنة الملكية البريطانية سنة 1939: "لا نكتسب حقنا على ''أرض إسرائيل'' من من الإنتداب البريطاني، بـل من التوراة" (27) . ولقد أوردتُ هذين الإقتباسين كي نعود الى بداية بحثنا في فصل المقال ما بين الدين والدولة في ''إسرائيل'' من اتصال. إن السلفية الدينية تدّعي أن الحركة الصهيونية تنفذ فكرة الخلاص "المسيانية" الموضوعية، من دون أن ينفذ ذلك الى وعيها الذاتي، فالحركة السلفية إذاً تجسد وعي الحركة الصهيونية لذاتها، إلتحام الذات بالموضوع إذا أردنا استخدام مصطلح فلسفي "هيغلي".

      لم تنشأ الصهيونية عن حركة التنوير الأوروبية، وإنما من الممكن اعتبارها ردة فعل علـى حركة التنوير مثل بقية الحركات القومية الرومانسية في القرن التاسع عشر. لكن مأساتها أنها بردّة فعلها التي نجحت تاريخياً بفعل عوامل أوروبية في الأساس، لم تنجح في تشييد صرح أمة يهودية منفصلة عن الطائفة اليهودية. وما زال المؤرخون اليهود الصهيونيون يحاولون من منطلقات علمانية إقامة أساس غـير ديني لأمة يهودية فوق التاريخ والجغرافيا. لكنهم جميعاً، وفي مقدمهم المؤرخ الكبير "يعقـوب كاتـس" لـم يستطيعوا تزويدنا أي تعريف يفصل ما بين الإنتماء الى الطائفة والإنتماء الى الأمة، هذا عـدا الرموز الدينية التي استُخدمت للتعبير عن الصلة التاريخية بـ''أرض إسرائيل''. وهنالك في ''إسرائيل'' جمعية تسمي نفسها "الجمعية اليهودية إنسانية علمانية"، وهي تبذل جهداً خاصاً لفصل اليهودية كقومية عن اليهودية كدين، وذلك باعتماد المميزات الحضارية اليهودية. لكن، هل في الإمكان الحديث عن مميزات يهودية حضارية موحدة في كل أنحاء العالم تصنع تاريخاً موحداً لشعب واحد؟ لا توجد إجابة عن هذا السؤال.

      إن اللقاء الذي أشرت إليه سابقاً بين مصطلحات الحركة الدينية الصهيونية المتطرفة، وبين الحركة الصهيونية المتطرفة في هامشها اليميني، لا يعني أن ليس هنالك صراعات بشأن الطابع العلماني للحياة اليومية في ''إسرائيل'' أو بين المتدينين والعلمانيين. وإنما قصدت التركيز على اللقاء بين الأوساط المتطرفة من العلمانيين والمتدينين لأثبتّ أن المفاهيم ''الإسرائيلية'' لعلاقة الأمة، والدولة، والدين الخ..، لـم تمرّ عملياً بعملية علمنة.

      عندما قامت في ''إسرائيل''، فعلاً، وحدة حضارية محددة بمميزات موضوعية واضحة، مثل اللغة وغيرها، نشأت هذه الوحدة متميزة من بقية الجالية اليهودية. لكن الأمر الخاص والمتميز في حالة ''إسرائيل'' هو رفض الإيديولوجيا والمؤسسة الرسمية نفسها الإعتراف بوجـود أمـة ''إسرائيليـة''، وإصرارهما على تمثيل ''إسرائيل'' لـ"أمة يهودية" في أنحاء العالم كافة، بشكل يشابه إصرار إيران على تمثيل "أمة إسلامية" في أنحاء العالم كافة.

      سأنهي هذه المقالة باقتباسين أحدهما من مؤرخ متنور، والثاني من أحد مفكـري حركـة "غوش إيمونيم". وكلا الإقتباسين يتناول جوهر الصهيونية. يقول "كاتس": "في الصهيونية، إتخذ الإيمان "المسياني" شكلاً جديداً، بعد أن تنقّى من بقية عناصره الغيبية، وحافظ على أهدافه الإجتماعية والسياسية، وعلى أهدافه الروحانية الى حد ما. لكن حتى في هذه المرحلة من التطور، إعتمدت القومية الحديثة، إعتماداً كبيراً، على "المسيانية" القديمة، التي مدّتها بجزء مهم من قوّتها الإيديولوجية والعاطفية.." (28) .

      أما البروفسور "هارئيل فش" فيقول: "إن أساس صلة شعب ''إسرائيل'' الإيديولوجية بالتقاليـد الغربية الليبرالية هو سوء فهم وخطأ. فمن الممكن، جزئياً فقط، إعتبار الصهيونية وليداً لحركة التنوير الأوروبية، لكن أساسها الحقيقي في الميثولوجيا اليهودية.. ما حدث في القرن التاسع عشر كان خداعاً لغوياً، أو على الأصح خداعاً لغوياً ذاتياً؛ فقد عرضت الصهيونية كأنها حركة توازي حركات التحرر الوطني.." (29) .

      فما الفارق الجوهري بين العلماني المتنور والغيبي المتعصب عند مناقشة موضوع علاقة الأمة بالدين؟


مراجع البحث

(1) أنظر تلخيص القاضي السابق في المحكمة العليا ''الإسرائيلية'' "حاييم كوهين" لهذه القضية في مقالة "مَن هو اليهودي"، مجلة "يهدوت هومانستيت حيلونيت"، العدد الأول، حزيران/ يونيو 1980، ص 3.

(2) أنظر مثلاً: "هآرتس"، 8/1/1990، المصدر نفسه، 13/3/1990.

(3) "هآرتس"، 2/6/1989، المصدر نفسه، 9/6/1989. يقدّر تقرير مراقب الدولة لسنة 1989 عدد طلاب المدارس الدينية المحررين من الخدمة في الجيش بـ 18.350، في حين كان عددهم 4700 سنة 1968.

(4) إقتباس من كتاب "ش.ز. لنداو" و "ي. رابينوفتش" (محرران): "الصهيونية الدينية" (القدس، 1977)، ص 55.

(5) مقتبس من:

A. Ravitzky, "Exile en the Holy Land: The Dilemma of Haredi," in Studies in Contemporary Jewty (an annual) 5 (1989), P: 93.

( 6) lbid.

( 7) الحاخام "أ. م. شاخ"، "رسائل ومقالات" (بني براك، 1980)، ص 9.

(8) مقتبس من:

M. Friedman, "Israel as a Theological Dilemma," in Kimmerling Baruch (ed.), The israel State and Society (State University of New York Press, 1989), P: 175.

( 9) lbid., P: 184.

( 10) الحاخام "الحانان فاسرمان"، "مجموعة مقالات" (تل أبيب، 1963)، ص 92.

(11) Friedman, "Israel as a Theological Dilemma..," op.cit., P: 95.

( 12) "  ي. أ. وولف"، "المرحلة وقضاياها" (بني براك، 1983)، المجلد الأول، ص 15.

(13) Ravitzky, "Exile in the Holy Land..," op.cit., p: 95.

( 14) "  شاخ"، "رسائل ومقالات"، مصدر سبق ذكره، ص 44.

(15) مقولة من "المدارش".

(16) "شاخ"، "رسائل ومقالات"، مصدر سبق ذكره، ص 46.

(17) Triedman, "Israel as a Theological Dilemma..," op.cit., P: 174.

( 18) ما زال العديد من المتدينين الصهيونيين يؤمن بإمكان الفصل بين انتمائه الى الصهيونية كحركة قومية، وبين تدينه كخيار ذاتي إيماني.

(19) الحاخام "راينس"، "نور وفرح" (فلنا، 1899)، ص 12 - 13.

(20) الحاخام "راينس"، "نور جديد على صهيون"، ص 352.

(21) راجع: "ي. كاتس"، "القومية اليهودية - مقالات وأبحاث" (القدس، 1977)، ص 285 - 357.

(22) "أ. ي. هكوهين كوك"، "رؤيا الخلاص" (القدس: مؤسسة الحاخام "كوك"، 1901).

(23) "أ. ي. هكوهين كوك"، "أضـواء"(القدس: مؤسسة الحاخام "كوك"، 1923).

(24) Friedman, "Israel as a Theological Dilemma..," op.cit., p: 206.

( 25) "  داني روبنشتاين"، "غوش إيمونيم" ("الكيبوتس الموحد"، 1982)، ص 5.

(26) M. Kohn, "Who's Afraid of Gush Tmunim?" (Jerusalem, 1978), P: 34.

( 27) وردت الإقتباسات في كتاب "تسفي رعنان"، "غوش إيمونيم" (هوشمير هتسعير، 1980)، ص 80.

(28) "كاتس"، "القومية اليهودية.."، مصدر سبق ذكره، ص 18.

(29) H. Fisch, The Zionist Revolution (London, 1978), P: 28.