العرب والصهيونية والقرن الحادي والعشرون
هيثم الكيلاني
رئيس تحرير مجلة شؤون عربية
الفكر العربي
خريف 1998 العدد 94.
مقدمة:
من سمات هذا البحث "العرب والصهيونية والقرن الحادي والعشرون" انه يحاول استشراف المستقبل لمدى زمني جد محدود. وهي محاولة تكتنفها صعوبات جمة، وتحيط بها مزالق الخطأ وسوء التقدير، ذلك ان المحاولة تجري في منطقة تكثر فيها الرمال والكثبان المتحركة والعواصف الهوجاء التي تغير، ما بين وقت واخر، مواضع الرمال ومواقع الكثبان، حتى ان معالم الامس قد تضيع غدا. وبالرغم من هذه السمات، تبقى المحاولة ذات مغزى، وبخاصة اذا ما استندت الى ما يمكن ان يعتبر عناصر ثابتة وتجارب ماضية وحالية، وهي عناصر وتجارب تستدعي الاشارة الى ثلاث ملاحظات:
1ـ انّ تدرج المشروع الصهيوني صعودا من حلم هرتزل (1897) الى وعد بلفور (1917)، ومن قرار التقسيم (1947) الى مؤتمر مدريد (1991) وتدرج الموقف العربي من شعار " ستبقى فلسطين عربية ولو اطبقت السماء على الارض (1948) الى قرار قمة فاس (1982) فمؤتمر مدريد، يختزلان شريط احداث مئة عام، نحن الان في حال مراجعتها واستعادة دروسها وتذكر مغازيها.
2ـ ان الصراع العربي ـ "الاسرائيلي"، الذي اختزن المقاومة العربية للمشروع الصهيوني، باعتباره مشروعا استعماريا عنصريا احتلاليا، يضيف الى اشكاله ووسائله التقليدية اشكالا ووسائل جديدة تتلاءم والمرحلة الانتقالية التي تغطي اواخر القرن العشرين ومطالع القرن المقبل.
3ـ ان انتقال الصهيونية من قرن الى قرن يصادف ابتداء قرن جديد في حياة البشرية، وهي مصادفة تعني لنا امرين يستحق كل منهما وقفة عنده: اولهما، ان نحاول تلمس تطور الصهيونية المستقرة في كيانها "اسرائيل"، وامكانات ذلك التطور واحتمالاته وتأثيراته في منطقتنا العربية، وثانيهما، ان نفكر فيما نحن مخططون ومنظرون وفاعلون في عالم القرن الحادي والعشرين.
في اطار هذه الملاحظات، يتناول البحث بعض مظاهر الفكر الصهيوني وهو يعبر الى القرن القادم. ثم يرصد البحث عناصر الثبات وعناصر التجديد في الحركة الصهيونية وهي تخطط للمئة الثانية من عمرها، ولينتهي بعد ذلك الى محاولة لاستشراف بعض افاق المستقبل القريب.
ان اول ما يلقانا ونحن نعبر عتبة القرن المقبل، ذلك التجدد الذي تعيشه الصهيونية وهي تنتقل الى المئة الثانية من عمرها. ولقد كان شيمون بيريز، حتى رئاسته للحكومة "الاسرائيلية"، يخطط لعقد مؤتمر ثان للحركة الصهيونية في الذكرى المئوية لتأسيسها (1897 ـ 1997) وتحدث عن خطته هذه لجريدة معاريف (1) . فقال انه يسعى الى الدعوة الى مؤتمر عالمي جديد للحركة الصهيونية، يرسم استراتيجية القرن المقبل. فالصهيونية في رأي بيريز، استنفدت مهامها السابقة، وحققت اهدافها المحددة. وعليها صوغ برنامج عمل قومي جديد لليهود في القرن المقبل، يركز على جعل ""اسرائيل"" مركزا يهوديا روحيا، أي دولة ذات طابع ديني، وحينما تحدث بيريز عن العرب انطلق من فكره الصهيوني العنصري في اتهامه العقل العربي بالقصور والعجز عن استيعاب معطيات التطور، وقال ان الشريط اللازم امام العرب كي يصبحوا مثل نمور اسيا يتمثل في استفادتهم من العبقرية اليهودية.
لان تيار حزب العمل الذي كان يقوده بيريز لم يعد في نظر اغلبية المجتمع "الاسرائيلي" قادرا على الاستجابة لتطلعات ذلك المجتمع بمواصلة تنفيذ المشروع الصهيوني، فقد استبدل به تيار حزب الليكود الذي يجسد الاهداف الصهيونية، ويسعى الى بلوغها بالعنف وقوة السلاح، ولو ادى به الامر الى دفع منطقة الشرق الاوسط الى حالة الحرب او حافة الحرب. ويقود هذا التيار زعيم صهيوني جديد هو بنيامين نتنياهو، الذي نعت في اجهزة الاعلام العربية باوصاف هي مجموعة الرذائل والاخلاق التي تكون قوام شخصيته. وما يجدر بنا ملاحظته هنا ـ من خارج قاموس النعوت ـ هو ان نتنياهو يعمل لاحياء الصهيونية وتجديدها، ويجسد مناقبها التي بنيت عليها ثقافته وفكره وتفكيره، والتي ينبعث منها سلوكه، ومما زاد في جموح هذا الزعيم الصهيوني وتطرفه ووضوح عقيدته الصهيونية، ان تكوينه الثقافي والاخلاقي تم في دائرة التعصب اليهودي والعنف الصهيوني من المجتمع الاميركي. ولقد ادى ذلك كله الى صوغ شخصية نتنياهو صوغا يتجسد فيه جماع العقيدة والمناقب الصهيونية وذروة الاخلاق البراغماتية الاميريكية.
ويعتبر كتاب نتنياهو مكان تحت الشمس (2) وبرنامج حكومته الذي نال على اساسه ثقة الكنيست في حزيران / يونيو 1996 مرجعين رئيسيين للتعرف على المبادئ والافكار الصهيونية التي تسعى القيادة الليكودية الى احيائها وتجديدها.
يختزن كتاب نتنياهو معظم شرور الصهيونية وآثامها، ومعظم رذائل العنصرية والنازية والفاشية. ففيه كم كبير من تزوير التاريخ، وتزييف الحقائق، واصطناع الاسباب للحروب والابادة والاستقرار الا بقضاء الخير على الشر وان "اسرائيل" ودول الحضارة الغربية هي الخير وان اعداء "اسرائيل" هم الشر (3) .
وتجزم الصهيونية المتجددة ان السلام الذي يمكن تحقيقه في الشرق الاوسط هو السلام المبني على قوة الردع. وفي حال فشل هذه القوة فلا بد من استخدام السلاح لاقامة السلام. ويرتبط امكان ذلك كله بقدرة "اسرائيل" على الردع. ولا امن قط الا بتوافر تلك القدرة وباستخدامها حين الضرورة كوسيلة للحسم وفرض الامن. هذا هو السلام الوحيد الممكن تحقيقه حاليا بين "اسرائيل" والعرب (4) . وتعتمد قوة "اسرائيل" في الردع على ثلاثة عناصر رئيسية هي : قوتها العسكرية، والانذار المبكر، والارض كعمق استراتيجي للانتشار والحماية والقتال. والارض، في نظر الصهيونية المتجددة، تزداد اهمية في عصر الصواريخ، ولا تنقص. انها تمنح "اسرائيل" قدرة الامتصاص لهجوم بري صاروخي بعيد المدى، والقدرة على المناورة ونقل القتال الى ارض العدو (5) . ان اعتقاد الدول العربية بامتلاك "اسرائيل" السلاح النووي " يشكل مانعا مهما لردعها عن مهاجمة "اسرائيل" (6). لقد كانت قوة الصهيونية وثباتها دائما وابدا المفتاح الحقيقي للسلام مع العرب (7) .
ويرى نتنياهو " ان هضبة الجولان والضفة الغربية تمثلان جدارا لا يمكن ابدا التخلي عنهما … وهما يمثلان عمقا وارتفاعا استراتيجيين ضروريين حتى في ظل امتلاك السلاح النووي، والتخلي عنهما هو انتحار لاسرائيل، وهما من القضايا غير القابلة للتفاوض، اما الاستيطان فهو " حق مشروع لكل يهودي ان يبني ويمتلك ما يريد على ارض "اسرائيل" كلها". وجاء في برنامج حكومة الليكود " ان هناك اهمية وطنية للاستيطان في النقب وفي الجليل وفي هضبة الجولان وغور الاردن وفي يهودا والسامرة ، لان الاستيطان جزء من النظام الامني لدول "اسرائيل" وتعبير عن تجسيد الصهيونية".
وترى الصهيونية المتجددة انه لا عودة الى حدود 1967، ولا دولة فلسطينية غربي نهر الاردن، ولا سلب لمكاسب "اسرائيل" في " حرب الايام الستة ـ 1967" ومن اجل املاء هذه اللاءات على ارض الواقع، لا بد من تثبيت حق الصهيونية على ارض "اسرائيل"، " فهي مكان الشعب "الاسرائيلي" تحت الشمس". والصهيونية المتجددة في نظر نتنياهو هي " تجربة لنسج مستقبل جديد، لشعب عريق، بخيوط الارادة القومية، التي غزلت في فجر التاريخ، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا" (8) .
لان الصهيونية جعلت المنطقة العربية ، بارضها وامتها وحضارتها ومستقبلها، موئل فكرها وبؤرة اهدافها ومحور انشطتها ومصب جهودها، فان الحاجة تبدو ماسة الى نظرة جديدة تعيد التذكير بطبيعة ومقومات الحركة الصهيونية، وترصد عناصر الثبات والتغير في اهدافها ووسائلها. وهنا تبدو الركائز الفكرية والايديولوجية للصهيونية في مقدمة ما يجب التركيز عليه، اذ بدون تلك الركائز ينتفي وجود الحركة ذاتها.
وثمة ركائز ثلاث بنيت عليها الحركة الصهيونية منذ نشوئها، ولا تزال ثابتة مستقرة، تقتحم القرن الجديد مستندة الى ما انجزته على ارض الواقع، وهي ركائز متداخلة متشابكة بحيث يصعب ان لم يكن مستحيلا، تفكيك اوصالها واعادة تركيبها فرادى.
وتعتبر فكرة الارض الموعودة اولى تلك الركائز. وقد اتسمت هذه الفكرة، بالرغم من اسطوريتها، بقوة تعبئة واستقطاب كبيرة، مكنتها من تخليق ديناميكية هائلة ساعد على توليدها التاريخ اليهودي ذو الطابع المأساوي. وما يهمنا هنا هو التأكيد على ان هذه الدعوة انطوت على تحديد واضح ودقيق لجوهر الاهداف الرئيسية للحركة الصهيونية، وهو تمكين يهود العالم من العودة الى "ارضهم التاريخية" في فلسطين. وعلى الرغم من ان الحركة الصهيونية لم تحدد منذ نشاتها حتى الان خريطة واضحة لحدود الدولة المطلوب اقامتها، فان بنية الدعوة الصهيونية والاسس الفكرية التي تقوم علها لا تتركان أي مجال للشك حول هذه القضية. فالمقصود هو "ارض اسرائيل" بحدودها التوراتية. ويبدو انه لا يوجد أي خلاف بين الفصائل السياسية في "اسرائيل" حول هذه النقطة، بصرف النظر عن اختلاف طريقة او اسلوب التعبير عنها. ويدل على ذلك موقفها الفعلي وليس الشكلي من قضية القدس ومن " حق اليهود في الاستيطان" داخل اية بقعة من فلسطين التوراتية، على الرغم من وجود خلاف ظاهر بينها حول حدود او خريطة اعادة انتشار الجيش "الاسرائيلي". فتلك قضية اخرى على صعيد اخر. ويلاحظ ان الحركة الصهيونية لا تعترف بان المسالة اليهودية قد حلت بقيام دولة "اسرائيل" او حتى باستيلاء هذه الدولة على كامل فلسطين التاريخية. ذلك ان الحل النهائي للمسالة اليهودية يتحقق فقط ـ وفقا لمنطوق المشروع الصهيوني وبنيته الفكرية ـ عندما تكتمل "عودة" الشعب اليهودي ـ كل الشعب اليهودي ـ الى "ارض اسرائيل" من شتاته في المنفى، ولذلك تعتبر "اسرائيل" نفسها مسؤولة فعليا، ان لم يكن قانونيا، عن كل يهود العالم وليس فقط عن هؤلاء الذين يستظلون بسيادتها. ومن ثم فانها تنظر الى يهود الخارج ـ وبصرف النظر عن جنسياتهم ـ وكانهم ضمن رعاياها وتحت حمايتها، وانها وليس الدولة التي يحملون جنسيتها، هي التي تمتلك حق تمثيلهم والتحدث باسمهم والمطالبة بحقوقهم في كل المحافل. ووفقا لهذا المنطق صدر "قانون العودة" "الاسرائيلي"، الذي لا يوجد له نظير في العالم. ويقض هذا القانون بحق أي يهودي في العالم، ايا كانت جنسيته، في ان يصبح مواطنا فور" عودته" الى "اسرائيل" ودون حاجة الى ان يتقدم بطلب للحصول على "الجنسية" (9) وفي هذا المجال، يمكن القول ان المشروع الصهيوني لم يكتمل بعد، وذلك لسببين: اولهما ان الاعتراف الدولي، وبخاصة العربي والفلسطيني، بالسيادة "الاسرائيلية" على كل فلسطين التاريخية لم يتحقق بعد. والسبب الثاني ان معظم يهود العالم ما زالوا يعيشون ـ من منظور الحركة الصهيونية ـ في حال الشتات، ولم يعودوا بعد الى "الوطن الام". وهذه الحقيقة تفسر احد اسباب الرفض الصهيوني للرؤية العربية للتسوية. فهذه الرؤية تقوم على امكان اقتسام فلسطين وان يكون للشعب الفلسطيني دولته المستقلة، عاصمتها القدس.
ولا تشكل فكرة الارض الموعودة موضوعا للاختلاف والتنابذ في اطار التعددية الحزبية السياسية التي يعيشها المجتمع "الاسرائيلي"، ذلك لان هذا المجتمع مجتمع صهيوني بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات في الفكر اليهودي عندما يتعلق الامر بادارة الصراع مع "الاغيار". ومن ثم تصبح تعدديته هذه محكومة بالرؤية الصهيونية وليس بالمنهج الديمقراطي. ولنا في سلوكيات حزب العمل وحزب الليكود ما يؤكد هذه الحقيقة. فهما يمثلان تيارين اساسيين تمحورت حولهما كل الوان الطيف السياسي الصهيوني منذ نشأة الحركة الصهيونية حتى اليوم، وهما: التيار العمالي والتيار التصحيحي. وبالرغم من حدة الانقسامات بينهما، لم يكن هذا الانقسام ابدا حول الاهداف والغايات النهائية للحركة الصهيونية، وانما كان حول الوسائل والآليات والمواقف التكتيكية. الفرق الوحيد بينهما ان التيار العمالي غلب عليه الطالب البراغماتي، وتمكن بمهارة من اخفاء غاياته النهائية من اجل حماية المشروع الوليد، وبخاصة في مراحله الاولى، في حين غلب الطابع الايديولوجي والعقيدي على التيار التصحيحي. ولذلك كان هذا الاخير اوضح في اطروحاته دائما ومن ثم اكثر صدقا في تعبيره عن حقيقة المشروع الصهيوني وغاياته النهائية. ان استعادة شريط الاحداث والوقائع على ارض الواقع في فلسطين والاراضي العربية الاخرى المحتلة منذ انطلاق عملية التسوية في مؤتمر مدريد (30/10/1991) والتي تناوب على العمل فيها حزب العمل ثم حزب الليكود، تؤكد هذه الحقيقة، وهي ان الحركة الصهيونية، بجناحيها الرئيسيين، ثابتة مستقرة على فكرة الارض العربية وسلبها بقوة السلاح والهيمنة، وعلى فكرة التفوق العنصري من خلال الايمان بان اليهود "شعب الله المختار".
وتتمثل الركيزة المستقرة الثانية في الاستقواء بقوة استعمارية عالمية. فقد ولدت الحركة الصهيونية وعاشت على اساس انها علاقة ثابتة بالقوى الفاعلة والمهيمنة في النظام الدولي. ولهذا كان من الطبيعي ان تنتقل هذه العلاقة من قوة دولية الى اخرى، بحسب حال تلك القوى ومدى فاعليتها وسيطرتها على النظام الدولي. ويشكل هذا العامل اهم عناصر الثبات والاستمرارية في فكر وممارسات الحركة الصهيونية. فما كان بوسع ايديولوجية هذه الحركة، مهما بلغت قدرتها التعبوية، ولا بوسع اطرها المؤسسية، مهما بلغت قدرتها التنظيمية، ان تحقق كل ما انجزته حتى الان اعتمادا على قواها الذاتية وحدها. ولولا تبني قوى دولية عظمى للحركة الصهيونية وتعهدها لها بالرعاية التامة ووضع جميع امكاناتها تحت تصرفها لما حققت هذه الحركة أي نجاح. ولذلك فان مفتاح نجاح الحركة الصهيونية في الواقع يكمن في قدرتها على ربط مصالحها ربطا عضويا بمصالح القوى المهيمنة في النظام الدولي، وبخاصة تلك التي تتمتع بالنفوذ الاكبر في منطقة الشرق. غير انه لا ينبغي ان نستنتج من استمرار وجود هذا النمط من العلاقة العضوية بين الحركة الصهيونية وبين القوة الدولية الاعظم ان هذه الحركة لم تكن سوى مجرد اداة في يد القوة المهيمنة (10) . فالدراسة العلمية لتطور تلك العلاقة النمطية تثبت انه كان هناك على الدوام عملة توظيف متبادل بين الطرفين، وان الحركة الصهيونية كانت تظهر في معظم الاحيان ثقة كبيرة بالنفس تعكس قدرا من الاحساس بالقوة الذاتية، فضلا عن قدرة تلك الحركة على الاعتماد على بدائل وقوى اخرى في حال حدوث تعارض في المصالح، او اذا بدا للحركة الصهيونية ان تلك القوة الدولية ضعف شانها وافل نجمها.
لقد استوعبت الحركة الصهيونية دروس التاريخ، وبخاصة مصير الامارات التي اقامها الصليبيون في المشرق العربي، حين انقرضت ولاياتهم، وانسحبت فلولهم، لانه لم يكن لديهم جيش ميداني موحد ذو قيادة موحدة، وذو قدرة كافية على الاحتلال والاستعمار الاستيطاني. وحتى تتحاشى الصهيونية ان تلقى غزواتها هذا المصير، فقد استندت الى مجموعة من المبادئ، منها:
أ ـ القوة فوق الحق. واستنادا الى هذا المبدأ، قرر هرتزل مؤسس الصهيونية ان "هذه الامة اليهودية سوف تبقى. اما ما عداها فسوف يزول، بل ويجب القضاء عليه لانه غير اهل للبقاء" (11).
ب ـ القوة ضرورة حتمية لبلوغ اهداف الصهيونية. والعمل السياسي سبيل لتعبئة الطاقات للحركة، وتجنيد الهيئات والمنظمات الصديقة من اجل المساعدة على بلوغ تلك الاهداف.
ج ـ الاستعمار الاستيطاني هو الوسيلة للاستيلاء على الارض، وهو الذي يجسد الانجازات السياسية عن طريق فرض الوجود الصهيوني في فلسطين.
د ـ الحركة الصهيونية حليف عضوي للامبريالية، ولا غنى لها عن الارتباط العضوي بالدول التي تجسد الامبريالية وممارساتها.
هـ ـ العمل العسكري ضرورة لا غنى عنها لفتح المجال امام الاستعمار الاستيطاني، ليستولي على الارض، وليحمي وجوده وانجازاته. والرابطة بين العمل العسكري والاستعمار الاستيطاني وثيقة لا انفصام بها. فالقوة العسكرية هي الوسيلة التي توفر للاستعمار الاستيطاني النشوء والوجود. وعلى هذا الاستعمار ان يوفر القاعدة الاجتماعية التي تسند القوة العسكرية، وتمدها بالعناصر اللازمة لحياتها ونموها.
يمثل الاستعمار الاستيطاني في فلسطين التطبيق العملي للصهيونية. وتبقى المقولة التي قالها الزعيم الصهيوني جابوتنسكي في العام 1933: " الصهيونية هي استيطان، ولذا فهي تحي وتموت مع القوة المسلحة"، تبقى مقولة لها مغزاها وبعدها الاستراتيجي في اختزال مسالة الغزو الصهيونية كلها.
ويمكن القول ان مسألة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني تشكل المحور المادي للصراع العربي ـ الصهيوني، منذ اواخر القرن التاسع عشر حتى اليوم. وطوال هذه المدة ، شكل الاستيطان، بالنسبة الى الصهيونية، الوسيلة والهدف معا واتصف بثنائية العمل في وقت واحد: عملية البناء الصهيوني وعملية هدم المجتمع العربي القائم (12) .
وبالرغم من ان مئة عام مرت على المشروع الصهيوني، وبالرغم من اختلاف المراحل التي مر بها وتنوعها، ظلت وسائله دون تغيير اساسي: الاستيلاء على الارض بشتى الطرائق، ونزع العرب من ارضهم بمختلف وسائل الارهاب والقهر، والتوسع ارضا وزرع بؤر الاستيطان ترسخا للاحتلال. ان حروب "اسرائيل"، وبخاصة حرب 1967، وعملية التسوية السلمية الجارية الان شاهدان على ذلك.
واذ ننتقل الان الى التطرق الى الركيزة الثالثة الثابتة المستقرة التي بنيت عليها الحركة الصهيونية، وهي الارهاب، فاننا نجد انفسنا امام تراث جد ثري ومتنوع في فكره وخططه ووسائله ووقائعه، وبخاصة انه كان الوسيلة الاولى التي استعملتها الصهيونية لتحقيق غرضها الاول، وهو اقامة "اسرائيل". لذا اقترن انشاء دولة "اسرائيل" بابشع اشكال الارهاب وافظع انواعه. ثم واصلت "اسرائيل" الارهاب، فكرا ووسيلة واسلوبا، ضد الشعب العربي الفلسطيني والدول العربية.
وتاريخ الحركة الصهيونية و""اسرائيل"" حافل بسلسلة طويلة من اعمال الارهاب والقتل الجماعي. فقد نشر قادة الصهيونية وزعماء ""اسرائيل"" ومفكروهما مؤلفات كثيرة، بحثوا فيها الارهاب، كعقيدة وسياسة ووسيلة، وتحدثوا عن المنظمات الارهابية وايديولوجيتها ونشوئها وتنظيمها واهدافها وانجازاتها والجرائم التي ارتكبتها. ويمكن القول انه ليس في العالم القديم او المعاصر تراث عسكري او سياسي لاي شعب من الشعوب يشبه التراث الصهيوني في الارهاب.
وعندما فكرت الصهيونية في اقامة دولة يهودية خالصة في فلسطين، رأت ان ذلك لن يتم الا بأبادة سكان البلاد الاصليين، او طردهم، عن طريق الارهاب، وعلى هذا، شكل الارهاب والعنف، منذ البداية، صلب الخطة الصهيونية الرامية الى احتلال فلسطين.وهكذا استعملت الصهيونية في غزوها فلسطين ومن ثم دولة "اسرائيل" في تثبيت كيانها وتوسيع حدود احتلالها وتفريغ فلسطين من اهلها، اساليب ارهابية كثيرة استمدتاها من الفكر الصهيوني والتقاليد الموروثة في هذا الفكر. فالمذابح الجماعية التي تحدثت عنها كتب اليهود القديمة هي النموذج الذي استخدمته وسارت على هديه فيما بعد المنظمات الصهيونية و""اسرائيل"" في دير ياسين وقبية وغزة واللد والرملة ونحالين وكفرقاسم (في فلسطين) والفاكهاني وصبرا وشاتيلا والجنوب اللبناني وقانا (في لبنان) وسواها. وهي المذابح التي تمت كلها لتحقيق هدف واحد هو ابادة الشعب الفلسطيني وتصفيته جسديا بالقتل والتهجير.
واذا كانت مذابح الفاكهاني وصبرا وشاتيلا والجنوب اللبناني وقانا (1981 ـ 1982ـ 1996) قد استهدفت التصفية الجسدية للمقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في المنافي، وللمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال، فان مذابح دير ياسين (1948) وكفرقاسم (1956) والخليل (1994) كانت تستهدف اضافة الى التصفية الجسدية للشعب الفلسطيني تهجير من لم تطلهم المذابح عن طريق بث الرعب في نفوسهم ودفعهم الى مغادرة البلاد.
ولعل اكثر ما يجذب الانتباه في سلسلة المذابح التي نفذتها الصهيونية واسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ان المنفذين كانوا دائما يعرفون ما يفعلون، وان اتجاه العنف والارهاب والقتل الجماعي الذي تربت عليه الكوادر الاولى المؤسسة للجيش "الاسرائيلي" ظلت ـ ولا تزال ـ تتناقله اجيال الجيش "الاسرائيلي" والقيادات الصهيونية والاسرائيلية جيلا بعد جيل.
والارهاب الصهيوني ـ "الاسرائيلي" ليس وليد اليوم او الامس. فهو يضرب بجذوره في اعماق الفكر والممارسة الصهيونيين، وفي جذور دولة "اسرائيل" وقيادتها واجيالها ومؤسساتها واحزابها ومجتمعها المدني. وحينما يستعرض أي باحث التاريخ الفكري والوقائعي للصهيونية وقادتها، ومن ثم قادة دولة "اسرائيل" من بعدهم، فانه يستنتج الملاحظات آلاتية:
1ـ تأسس المشروع الصهيوني، سواء في مرحلة صياغة مفهومه او مرحلة رسم خططه، او مرحلة التنفيذ، على المبادئ الاولية التي بناها الفكر اليهودي طوال تاريخه، وابرزها ان اليهود هم شعب الله المختار، وان سائر البشرية هم الاغيار الذين ياتون في سلم الشعوب بدرجات هي ادنى من مرتبة شعب الله المختار، وان من حق هذا الشعب ان يستخدم الاغيار لخدمته ومن اجل مصلحته.
2ـ انبنى على هذه النظرية العنصرية ما يترتب عليها من نوازع واخلاق، كالحقد والكره والاستعلاء والاستكبار وما ماثلها من اخلاق تولدها العنصرية، وتجسدها تيارات وحركات كانت تمثل في التاريخ القديم والحديث والمعاصر فلسفة ومرجعية لبعض انظمة الحكم، كمثل النازية والفاشية والعنصرية، في المانيا وايطاليا وجنوبي افريقيا، وقد زادت الصهيونية عليها جميعه بان انفردت بتأسيس دولة جوهرها العنصرية ووسيلتها الارهاب.
3ـ حينما تعاملت الصهيونية مع العرب، كانت قد صنفتهم في درجة دنيا في سلم الاغيار، وهو ما اباح لقادة الارهاب الصهيوني ـ "الاسرائيلي" ان يستخدموا جميع الوسائل الممكنة للقتل والابادة والاغتيال والطرد والابعاد والاعتقال والتعذيب والنسف والتدمير والتخريب. وبذلك تأسست مدرسة للارهاب خاصة بالصهيونية واسرائيل، ومتمايزة عن غيرها من المدارس الارهابية القديمة والحديثة والمعاصرة.
4ـ لازم الارهاب، بمختلف اشكاله وانواعه، المشروع الصهيوني، منذ بدأ زعماء الصهيونية التفكير فيه، وبخاصة ثيودور هرتزل. ولم تكن ملازمة الارهاب للمشروع الصهيوني مؤقتة او مرحلية وانما كان الارهاب يشكل جوهر المشروع، بحيث ان المشروع كان سيفقد القدرة على التجسد على الارض لو لم يكن الارهاب بمختلف اشكاله وانواعه وادواته، سبيله الى التنفيذ. ومن هنا يلاحظ ذلك التوارث في الارهاب بين قادة الصهيونية وزعماء "اسرائيل"، توارثا لا انقطاع فيه ولا تباطؤ في حركته ولا نزول او انخفاض في خطه البياني، وبالتالي لا تراجع في كفر الارهاب، ولا تناقص في قادته،لا من حيث الكم ولا من حيث النوع. بل يلاحظ تصاعد في الخط البياني في حركة الارهاب، وتكاثر في اساليبه ووسائله، وتنويع في احداثه، وتزايد في قادته ورجاله، حتى ان الارهاب غدا عملا يوميا عاديا، لا عيب اخلاقيا فيه، ولا رادع قانونيا يحد من غلوه ووحشيته.
5ـ من الثابت انه لا يوجد في العالم كله ما يماثل "اسرائيل" في ممارساتها لارهاب الدولة. ذلك ان ""اسرائيل"" نفسها تأسست بالارهاب، وعليه، واستمرت في استخدامه، لانه يشكل مقوما رئيسيا من مقوماتها، واساسا من اسس استراتيجياتها العسكرية والسياسية، وما من مسؤول صهيوني او "اسرائيلي"، الا كان ارهابيا في الفكر او الممارسة، او في كليهما معا. ومن يراجع تاريخ الارهاب الصهيوني والاسرائيلي يجد ان اسماء معظم القادة والمسؤولين "الاسرائيليين" هم قادة للمنظمات الارهابية السرية والعلنية، او مسؤولون او عاملون فيها.
وما بين ارهاب الصهيونية و""اسرائيل"" ومذابحهما ضد الشعب الفلسطيني، منذ ان بدأت الغزوة الصهيونية وحتى العام 1993، هناك 261 الف شهيد و186 الف جريح و161 الف معوق، وقرابة مليونين من الفلسطينيين هجروا بقوة السلاح والارهاب على مدى نصف قرن، واصبحوا لاجئين. وهؤلاء الذين اخرجوا ـ وهم مليونان ـ اصبحوا الان خمسة ملايين واربعمئة الف نسمة (13) .
ولان الارهاب يشكل جوهر الصهيونية كعقيدة، ووسيلتها كخطة للتنفيذ، كان من الطبيعي ان يطور هذا الارهاب نفسه، ويبتدع ادواته بما يتناسب مع المتغيرات الدولية والاقليمية، ومع متطلبات كل مرحلة من مراحل عمله:
1ـ ففي مرحلة الغزو الصهيوني لفلسطين، كانت الحاجة ملحة لدفع اليهود من الشتات الى الارض الجديدة. وفي هذه المرحلة، لم تتورع الصهيونية عن ارهاب يهود الشتات انفسهم حتى لا يكون امامهم سبيل لانقاذ حياتهم سوى الهجرة الى فلسطين.
2ـ وفي مرحلة العقاب الجماعي، فرضت "اسرائيل" عقوبة الحصار على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، لتجويعه وافقاده مقومات العيش. وبذلك انخرطت ""اسرائيل"" في شبكة الحصارات التي خططت لها الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة العربية، فتعاقب هذه الدولة العربية او تلك بفرض حصار عليها يطال الدولة كمؤسسة ويعرض شعبها للحرمان والفقر والجوع والمرض وبؤس العيش.
3ـ وفي مرحلة اخرى وجدت "اسرائيل" ان التلويح بامتلاك السلاح النووي مفيد كقوة رادعة ضد العرب.
وهكذا يفتخر قادة "اسرائيل" بارهاب الضمير العربي، امة وقيادات ودولا، ذلك لان الترسانة النووية "الاسرائيلية"، ليست اداة للردع. انها اداة للارهاب النووي. لقد استخدم تعبير الردع النووي بين الدول النووية في فترة الحرب الباردة كوسيلة لمنع استخدام السلاح النووي في حين ان "اسرائيل" تستخدمه للارهاب والابتزاز.
وما كان لهذا الارهاب الصهيوني ـ "الاسرائيلي" ان يبلغ هذا المستوى من التنوع ومن القدرة على استخدام ادواته، لولا انه يحظى بالتأييد الدائم والمتنوع من الولايات المتحدة الاميركية، وهو تأييد فاق كل ما عرفه التاريخ في العلاقات بين الدول من تأييد مادي ومعنوي، ويبدو ان هذا التأييد سيبقى شاذا وفريدا في التاريخ المعاصر.
لقد تطور التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الامريكية و"اسرائيل" تطورا لا يبدو انه سيبلغ مستوى او حدا او سقفا ينتهي عنده، وانما هو متوالد بعضه من بعض، صاعد الى الاعلى ومتسع افقيا، دوما. وهدفه الاول ان تبقى "اسرائيل" هي الاقوى من جميع الدول العربية مجتمعة، والمتفوقة عليها، عسكريا وتكنولوجيا وحضاريا، وان تكون الدولة الوحيدة التي يحق لها ان تحوز السلاح النووي، وان يحرم ذلك على اية دولة اخرى في المنطقة، او اية دولة اسلامية، وان يكون لاسرائيل حق تدمير أي مشروع عربي او اسلامي يمكن ان يفيد، بصورة مباشرة او غير مباشرة، احتمال تصنيع سلاح نووي، وتشير جميع الدلائل الى ان هذا الدعم اللامحدود سينتقل مع الصهيونية واسرائيل الى القرن القادم.
لقد استطاعت الصهيونية ان تخفف العبء عن الاستعمار الغربي في المنطقة العربية، فلم يعد هناك داع لان تغزو الجيوش الاجنبية ارضنا، بعد ان اصبح التهديد الخارجي خطرا مستوطنا ومقيما في قلب الوطن العربي.
وما يجذب النظر في هذا الخطر المقيم ان الصهيونية، وهي جوهره، تغير ادوارها بما يتلاءم مع المتغيرات الدولية. ففي حين عرضت الصهيونية على الخلافة العثمانية خدماتها المالية والسياسية مقابل السماح لها باستعمار فلسطين، اصبحت بعد ذلك الضامن للامبراطورية البريطانية مقابل اصدار وعد بلفور. ثم انتقلت لتكون الضامن للمصالح الاميركية بعد الحرب العالمية الثانية. وتكفلت بتطويق حركة القومية العربية ومحاصرتها وتدمير تحركاتها وانجازاتها، بقوة السلاح حينا وبالتخريب حينا اخر، وذلك طوال مدة الحرب الباردة. وهي اليوم تتولى القيام بدورين، اولهما تغيير هوية المنطقة العربية واستبدال هوية اقليمية بها، وثانيهما مجابهة الاسلام كعقيدة نضالية تحررية بدعوى مكافحة الارهاب (14) . والصهيونية تقوم بهذين الدورين اصالة عن نفسها ووكالة عن الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة.
ثمة مقولة تذهب الى اننا دخلنا منذ سنوات قليلة عصر سقوط الايديولوجيا بمختلف انواعها واشكالها امام علوم التقانة(التكنولوجيا)، وان ذلك السقوط اهم سمات القرن الحادي والعشرين. ولكن الصهيونية، كايديولوجيا، لا تذهب هذا المسلك، حينما تحاول ان تجدد نفسها بصياغات اكثر قدرة ومرونة على تحقيق اهدافها بالتلاؤم مع جدائد العصر.
ان احد اهم موضوعات العمل الصهيوني في القرن القادم، هو تحويل فلسطين كلها الى دولة خالصة لليهود دون غيرهم. وهو هدف صهيوني قديم، يحييه قادة الصهيونية الجدد، ويجسدونه في مشروع الجنرال آريئيل شارون، وخلاصته ترحيل الشعب الفلسطيني من فلسطين. وتتوافر ثلاثة عوامل لتنفيذ هذا المشروع: اولها ان القيادة "الاسرائيلية" الليكودية جاهزة لتنفيذ المشروع بخلق الاسباب المؤدية اليه، وثانيها ان العجز العربي قد لا يبلغ حد القدرة على اجهاض المشروع، وثالثها ان مثلين حيين اشرف عليهما النظام العالمي الجديد، احدهما في افريقيا حينما خلعت قبائل الهوتسي والتوتو من مواطنهم وتقاذفتهم الغابات. وثاني المثلين وقعت احداثه في قلب اوروبا، حيث خلعت جذور اربعة ملايين من البشر من مواطنهم في يوغوسلافيا السابقة. وقد رافق ذلك كله في المثلين مذابح جماعية للتطهير العرقي.
مرت الصهيونية، كحركة منظمة، بمراحل اربع رئيسية، كان اولها الصهيونية الهرتزلية (1895 ـ 1905) ثم الصهيونية العملية (1907 ـ 1917) فالصهيونية التصحيحية بقيادة جابوتنسكي الذي نادى بتصحيح برنامج المنظمة الصهيونية بجعل مساحة الدولة المنشودة تضم ضفتي نهر الاردن وليس الضفة الغربية فقط، وبتأليف جيش يهودي يعمل لتحقيق الهدف بقوة السلاح. وتلا ذلك نشوء الصهيونية المقاتلة (15) (1939 ـ 1948).
واذا كانت الصهيونية قد تجسدت في دولة ""اسرائيل"" كجهاز منفذ لاهدافها، فان طغيان مفهوم الدولة ومؤسستها العسكرية ومصالحهما استدعت حينا بعض التساهل في تطبيق مبادئ الصهيونية. بيد ان حزب الليكود يتولى الان احياء تلك المبادئ وصياغة برنامج المشروع الصهيوني بما يتلاءم مع المتغيرات الدولية والاقليمية والعربية.
وكانت مجموعة من الخبراء الاميركيين برئاسة "ريتشارد بيرل" المساعد السابق لوزير الدفاع في ادارة الرئيس الاميركي الاسبق ريغان، صاغت وثيقة عنوانها " تغيير كامل: استراتيجية "اسرائيل" الجديدة نحو العام 2000" (16) . وقد اوصت المجموعة الحكومة الجديدة في "اسرائيل" بانهاء عملية السلام، والبدء بحملة حرب باردة في الشرق الاوسط على النمط الريغاني، ذلك ان "اسرائيل"، كما ورد في الوثيقة "تتمتع بفرصة اجراء تغيير كامل. فهي تستطيع صياغة استراتيجية وعملية سلام تعتمد على اساس فكري جديد تماما، اساس يحتفظ بالمبادرة الاستراتيجية ويعيد بناء الصهيونية.
وكانت "اسرائيل"، في عهد حكومة اسحاق رابين في العام 1995، فكرت في ان تقيم حاجزا على شاكلة حائط برلين الذي سقط في تشرين الثاني/ نوفمبر 1989، يفصل ما بين المستعمرات "الاسرائيلية" والسكان العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويشتمل على حواجز ودوريات ونقاط تفتيش واجهزة رادار وتقانة مراقبة متطورة وتيار كهربائي والغام ضد الافراد، وما الى ذلك من وسائل. وقدرت تكاليف ذلك الحاجز بحوالي 470 مليون جنيه استرليني (17) . وبالرغم من ان هذا الحاجزـ كما وصفه عضو في مجلس العموم البريطاني (18) ـ لا يعدو ان يكون جنونا وخطة مخبولة محكوما عليها بالفشل، فقد يجد في اطار الصهيونية المتجددة من يحيى خطته ويدعو الى تطبيقها. وليس الحصار الذي فرضته "اسرائيل" في صيف 1997 على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع سوى شكل من اشكال هذا الحاجز، وتمهيد لتطبيق سياسة الفصل العنصري التي لقيت نهايتها على يد المناضلين الافريقيين في جنوبي افريقيا.
وتدل الانشطة والممارسات التي تعيشها الصهيونية واداتها "اسرائيل" على ان الحركة الصهيونية، وهي تحتفل ببدء المئة الثانية من عمرها، تخطط وتضع تصوراتها لما تنوي فعله في القرن القادم. فالمشروع الصهيوني لم يكتمل بعد، وما انجزه من انشاء الدولة على جزء من ارض فلسطين وترسيخ لكيانها وجعلها قوة اقليمية كبرى ووحيدة بسلاحها النووي، وما ينوي تحقيقه كهدف جد قريب بكسر ارادة المقاومة لدى العرب وحملهم على التسليم بحق الصهيونية في كل فلسطين وفي قيادة المنطقة، ليسا سوى بعض مراحل المشروع الصهيوني.
ولقد عقد اكثر من 300 مندوب من مختلف المنظمات اليهودية، اضافة الى مسؤولين "اسرائيليين"، مؤتمر المئوية الصهيونية الثانية في بازل بسويسرا (26-30/8/1997) ليستعرضوا انجازات الحركة الصهيونية في مئة عام، وليصوغوا برامج العمل الصهيوني في المئة الثانية (19).
وفي اطار اعادة طابع التحرر الوطني الى الحركة الصهيونية، يشبه نتنياهو طرد العرب من اسبانيا في القرن الخامس عشر بطردهم من فلسطين في القرن العشرين. فكلا العمليتين حركة وطنية تحررية من وجود استعماري (20) . وهنا يبدو منحى التجديد في صهيونية نتنياهو، اذ سبقه، ولكن الى عكس هذا الفكرة، زعيم صهيوني من الاباء المؤسسين، هو حاييم وايزمن، الذي قال ـ قبل مدة طويلة من قيام ""اسرائيل"" ـ ان العالم سيصدر حكمه على الصهيونية والصهيونيين على اساس الطريقة التي يعاملون بها عرب فلسطين (21).
لا ريب في ان قولة وايزمن هذه كانت تنطوي على الحكمة والتنبؤ بالمستقبل، بل الخشية والتحسب من هذا المستقبل. فقد انقضى اكثر من قرن على بدء الغزوة الصهيونية لفلسطين، وحوالي نصف قرن على تحقيق الهدف الاول من المشروع الصهيوني، وهو تأسيس دولة "اسرائيل" قبل ان يتمكن العالم من التعرف ـ بعض المعرفة وبعض الاحيان ـ على جوهر الصهيونية واسسها ومقوماتها واهدافها، وعلى سياسات دولة "اسرائيل" واستراتيجياتها، وعلى الوسيلة الاولى والرئيسية التي استخدمتها الصهيونية واسرائيل، وهي وسيلة الارهاب، وما يستدعيه من ادوات العنف والقوة والبطش. ولقد بلغ الامر بالصهيونية ان استطاعت بالارهاب وادواته، ان تؤسس دولة. كما استطاعت تلك الدولة، بالارهاب وادواته ايضا، ان ترسخ كيانها، وتوسع حدودها، وتمد هيمنتها الى ما بعد تلك الحدود.
الهوامش:
1 ـ جريدة معاريف، 15/12/1995، نقلا عن جريدة الحياة،29/12/1995.
2 ـ بنيامين نتنياهو: مكان تحت الشمس، دار الجليل للنشر والدراسات والابحاث
الفلسطينية، عمان 1995. وقد نشر مركز الدراسات العسكرية
بدمشق موجزا لهذا الكتاب، دمشق 1996. والى الموجز تعود
الاشارات المرجعية في هذا البحث.
3 ـ المرجع السابق،18.
4 ـ المرجع نفسه، ص 61 ـ 62.
5 ـ المرجع نفسه، ص 65.
6 ـ المرجع نفسه، ص 67.
7 ـ المرجع نفسه، ص 83.
8 ـ المرجع نفسه، ص 85.
9 ـ حسن نافعة: الاهرام،20/6/1997.
10 ـ المرجع نفسه.
11 ـ ثيودور هرتزل: دولة اليهود، نيويورك 1904، نقلا عن : مركز الدراسات
السياسية والاستراتيجية بالاهرام. العسكرية الصهيونية،ج2،
القاهرة،1974، ص 23.
12 ـ عبدالرحمن ابوعرفة: الاستيطان التطبيق العملي للصهيونية، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر، بيروت. 1981، ص 2.
13 ـ محمد حسنين هيكل: المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل، الكتاب الاول،
دار الشروق، القاهرة، 1996.ص 25.
14 ـ انظر كتاب بنيامين نتنياهو: محاربة الارهاب، ترجمة عمر السيد وايمن حامد،
دار النهار للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة،1996
15 ـ مصطلح اطلقه دافيد بن غوريون على الفترة من صدور الكتاب الابيض
(1939) الى قيام دولة "اسرائيل" (1948). انظر مؤسسات الدراسات الفلسطينية:
القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، بيروت،1973، ص 89.
16 ـ جيمس زغبي: جريدة الشرق الاوسط، 23/9/1996.
17 ـ جريدة The Guardian البريطانية،25/1/1995؟
18 ـ سيريل تاوتسند : جريدة الشرق الاوسط، 8/2/1995.
19 ـ جريدة الحياة، 26/8/1997.
20 ـ نتنياهو: مكان تحت الشمس، مرجع سابق، ص 44.
21 ـ مايكل آدامز(مع مجموعة باحثين): الصهيونية والعنصرية، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر، بيروت 1977، ص 283.