الثقافــة الصهيونيـة وتزويـــــر التاريــــخ

اللواء الركن المتقاعد :د. ياسين سويد

مجلة الفكر السياسي


تمهيد:

بداية، علينا أن نقرر ما إذا كان يصحّ اعتبار الكتب السماوية مصدراً من مصادر التاريخ الوضعي، فالمؤرخ الوضعي يعتمد، في كتابته للتاريخ، الحقائق الوضعية المستندة إلى أدلة مثبتة بالبراهين القطعية، وأهمها: الوثيقة والأثر (الاركولوجيا) والرواية الشفهية المعنعنة (باثنين أساساً) وتخضع، كلها، للتمحيص والتدقيق للتأكد من صحتها ومن سلامة الرواية. أما الكتب السماوية، سواءً أكانت وحياً منزلاً (كالقرآن الكريم) أو ما نقل عن الوحي (كالإنجيل المقدس) فرواياتها أقرب إلى الرمزية منها إلى الوقائع الثابتة المؤيدة بالأدلة الحسية. ويظل الوحي، أو ما هو معناه، أسمى وأرفع من أن يخضع لأي توثيق أو تمحيص من قبل المؤرخ الوضعي. وفي الوقت نفسه، يمكن اعتبار مروياته ذات دلالات رمزية مقدسةٍ هدفها الهدي والإرشاد والإصلاح، وليس تأريخ أحداث ما.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، في هذا المجال: هل تعتبر التوراة التي أنزلت على موسى (عليه السلام) وحياً منزلاً وكتاباً سماوياً؟ لا شك في ذلك متى ثبتت صحتها وعدم تزويرها. وهذا ما يؤدي بنا إلى البحث، في مطلع هذه الدراسة، عما إذا كان ما وصل إلينا من كتاب اليهود، وما يُزعم بأنه وحي من الله لنبيه موسى، هو التوراة الحقيقية.

أولاً: تزوير التوراة:

لقد أصبح من الثابت، تاريخياً، أن ما يسمى "بالتوراة"، وهي الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم (التكوين، والخروج، والأحبار، والعدد، وتثنية الإشتراع، وهي ما يسمى بكتب الشريعة)، ليست هي تلك التي أنزلت على موسى، نبي الله، على جبل سيناء، في القرن التاسع عشر ق. م، فقد روى العهد القديم، ذاته، أن موسى تلقى أوامر ربه ووصاياه، على ذلك الجبل، في لوحين (هما لوحا الشريعة أو الشهادة)، ووضعهما في "تابوت العهد" بحراسة اللاويين (وهما حراس التابوت وخيمة الموعد)، وسار بذلك (التابوت والخيمة)، عبر سيناء، إلى ما زُعم بأنها "أرض الميعاد"، وذلك عبر مسيرة طويلة استمرت أربعين عاماً (هي فترة التيه في سيناء) حيث هلك جيل موسى (أو جيل الخروج) بأكمله، ومات موسى ودفن على جبل (نبو) قبالة "أرض الميعاد"، شرق نهر الأردن الذي اجتازه يشوع، بعد ذلك، على رأس قومه، نحو أرض فلسطين. وكما لقي موسى وقومه، في سيناء، مقاومة عنيفة من سكانها "العمالقة"، لقي يشوع، كذلك، مقاومة عنيفة من سكان فلسطين، وقد ورد ذكرهم، في العهد القديم، سبعة شعوب هم "الحثيون والجرجاشيون والأموريون والكنعانيون والفرزيون والحوريون واليبوسيون"، بالإضافة إلى الفلسطينيين. وقد قاتل هؤلاء يشوع ومن بعده من حكام العبرانيين وقادتهم (الذين عرفوا بالقضاة ثم بالملوك)، وتبادل العبرانيون مع هذه الشعوب، النصر والهزيمة في معارك عديدة فصّلها العهد القديم، وكان "تابوت العهد" المحروس "باللاويين" والذي يضم "لوحي الشريعة" حاضراً في "خيمة الموعد" معهم.

ولكن "تابوت العهد" هذا أضاعه العبرانيون في إحدى حروبهم مع الفلسطينيين، في عهد صموئيل، حيث أنتزعه الفلسطينيون منهم وأخذوه إلى "أشدود" ووضعوه في معبد إلههم "داجون" بالقرب منه، وظل "تابوت العهد" مع الفلسطينيين سبعة أشهر (العهد القديم، 1 صم 6: 1)، ثم أعادوه، بعد ذلك، إلى العبرانيين الذين وضعوه في قرية "يعاريم"، وكانوا قد انصرفوا عنه إلى عبادة "البعليم والعشتاروت"، إلى أن أعادهم صموئيل إلى عبادة "الرب وحده" كما جاء في العهد القديم نفسه(1 صم 7: 1-4).

كان الفلسطينيون قوماً شديدي البأس، تمرسوا في الحروب وصناعة السلاح، وهي صناعة تفوقوا فيها على جميع شعوب المنطقة، بمن فيهم العبرانيون، وقد أنشأ الفلسطينيون مدناً محضة على الساحل الفلسطيني هي: غزة وعسقلان وجت وأشدود وعقرون، كما انتشروا في داخل فلسطين. وكانوا قد وصلوا إلى فلسطين (وهي بقعة من أرض كنعان سميت فيما بعد باسمهم) من جزر بحر إيجه، منذ زمن بعيد سابق على الزمن الذي وصل فيه العبرانيون إلى هذه البلاد (منذ الربع الأول من القرن 15 ق.م، وقيل منذ عهد إبراهيم ع. س)، لذا، ما إن دخل العبرانيون أرض كنعان حتى استشعر الفلسطينيون فيهم، كما استشعر سواهم من شعوب هذه المنطقة، نزعة الكراهية والعداء لكل ما هو غير عبراني، وأدركوا المطامع التوسعية لهؤلاء القوم في بلادهم ، أوَ لم يقل رب بني إسرائيل لشعبه أنه سوف يطرد من أمامهم "الحيثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع أمم أكثر وأقوى منك "وأنه سوف يسلمه هذه الأمم ليضربهم "ويحرمّهم تحريماً" (أي يقتلهم تقتيلاً) (العهد القديم، تث 7: 1-6)، ثم، أوَ لم يقل رب العبرانيين لشعبه أنه سوف يعطيه، بلا وجه حق طبعاً، "مدناً عظيمة حسنة لم تبنها، وبيوتاً مملوءة كل خير لم تملأها، وآباراً محفورة لم تحفرها، وكروماً وزيتوناً لم تغرسها" (تث: 6: 11)، تماماً كما فعل بالفلسطينيين، أهل فلسطين ومالكي أرضها، بعد أكثر من اثنين وعشرين قرناً؟

أوليس من المحتمل، بل من المفترض، أن يكون الفلسطينيون الذين استولوا على "تابوت العهد" وفيه "لوحا الشريعة" الموسوية (كما يزعمون) قد عبثوا بهذه الوثائق المقدسة وأتلفوها، باعتبارها الذريعة التي يتذرع بها العبرانيون لاغتصاب أرضهم وبلادهم؟

إن العهد القديم قد أهمل، وربما عن قصد، الإشارة إلى ما جرى للوحي الشريعة بعد أن استولى الفلسطينيون على "تابوت العهد"، خصوصاً أن العهد القديم، نفسه، يشير إلى أن أولئك العبرانيين كانوا قد انصرفوا عن عبادة إلههم، إله موسى، لعبادة آلهة أخرى "البعليم والعشتاروت" وظلوا كذلك إلى أن ردّهم صموئيل إلى عبادة "الرب الأوحد".

ولم يكن خطر الفلسطينيين هو الوحيد الذي أحاق "بتابوت العهد" والألواح التي حفظت شريعة موسى، فقد أحاق بها خطر آخر على يدي القائد الكلداني "نبوخذ نصر" الذي سبى العبرانيين إلى بابل، في النصف الثاني من القرن السادس ق.م، بعد أن دمّر يبوس (اورشليم) وأحرق "بيت الرب وبيت الملك وجميع بيوت أورشليم" وكل بيوت العظماء فيها، كما هدم أسوارها وأجلى "سائر الشعب الذي بقي في المدينة"، وكذلك "الذين نجوا من السيف" فقد أجلاهم نبوخذ نصر إلى بابل" حيث صاروا عبيداً له ولبنيه". كما حطّم جند بابل "أعمدة النحاس التي في بيت الرب، والقواعد، وبحر النحاس الذي في بيت الرب، وحملوا نحاسها إلى بابل"، كما أخذوا "القدور والمجارف والمقاريض والقصاع وجميع أدوات النحاس التي كانوا يخدمون بها"، و"جميع آنية بيت الرب الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب، وخزائن الملك ورؤسائه، أخذها، بأسرها،، إلى بابل"، كل ذلك وفقاً لما جاء في العهد القديم نفسه (2 أخبار 36: 18 و20، 2 ملوك 25: 8 و9 و11-14) دون أن يأتي على أي ذكر لما حدث لتابوت العهد وألواح الشريعة، وماذا كان مصيرها.

فهل يحتمل، بل يفترض، بعد كل الذي جرى لأورشليم وأهلها، وزعمائها وبيت الرب فيها، على يد نبوخذ نصر وجنده، أن يكون "تابوت العهد" ووثائقه "الربانية المقدسة" قد نجت من أي ضرر؟

لقد سردنا هذه المرويات، من التوراة، لكي نصل إلى حقيقة مفادها أن ليس معقولاً، ولا منطقياً، القول إن "تابوت العهد" بما تضمن من وصايا الرب وأوامره إلى موسى، كما وردت في لوحي الشريعة، ظل مقفلاً على تلك الوصايا (أو الألواح) طوال هذه الفترة المشحونة بالحروب (والتي امتدت نحو سبعة قرون)، دون أن يمسها سوء أو يلحق بها ضرر، رغم ما شهد "بيت الرب" في أورشليم من دمار، ورغم ما لحق بأورشليم وشعبها وقادتها وعظمائها من سبي وتنكيل.

ولا بد، في هذا المجال، من الاستطراد والقول إن الباحثين والمؤرخين القدامى والمحدثين، يكادون أن يجمعوا على أن "التوراة" التي بين أيدينا ليست تلك التي أنزلت على موسى، فهذه قد أُتلفت، أو ضاعت، ولم يعثر لها على أثر، وإن التي بين أيدينا قد وضعها (والأصح اختلقها) أحبار العبرانيين خلال فترة سبيهم إلى بابل، في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ق. م، أي بعد نحو سبعة قرون من بعث موسى (عليه السلام) وتلقيه وصايا الرب على جبل سيناء، ولأجل ذلك، نرى أن أسفار التوراة (بل وكامل أسفار العهد القديم التي وضعت فيما بعد) قد تميزت بالعنف والحقد والكراهية ضد باقي بني البشر (من غير العبرانيين)، كما تميز إله العبرانيين فيها بأنه "الاله المرعب "  Le Dieu Terrible وليس "الاله الحكيم Le Bon Dieu الذي هو إله المسيحيين، ولا "الإله العظيم Le Grand Dieu" الذي هو إله المسلمين.

حتى إن وجود العبرانيين في مصر، أصلاً، وخروجهم منها، كما جاء في سفر: "الخروج" من التوراة التي بين أيدينا، هما، اليوم، موضوع شك لدى العديد من الباحثين والمؤرخين، وكما يبدو من الحفريات والكتابات الأثرية الفرعونية التي أرّخت تلك العهود.

ونورد، فيما يلي، شهادات دامغة على حقيقة تزوير التوراة، وتشمل هذه الشهادات، ليس التوراة، فحسب، بل أسفار العهد القديم كلها، باعتبار أن وضع هذه الأسفار امتد على نحو عشرة قرون (منذ أيام السبي إلى بابل في النصف الثاني من القرن السادس ق. م. حتى نهاية العهد المكابي الأول، في النصف الأول من القرن الثاني ق. م):

1-القرآن الكريم: وردت في القرآن الكريم آيات عديدة تؤكد تحريف اليهود للتوراة، ومن هذه الآيات:

(يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، ومن الذين هادوا، سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه..) (المائدة 5/41). وجاء في أسباب نزول هذه الآية أن رسول الله (صلعم) مر بيهودي مجلودا" فسأل بعض اليهود "أهكذا تجدون حد الزنى في كتابكم؟" فقالوا: نعم، فسأل السؤال نفسه رجلا من علمائهم (وردت "غلمانهم" في النيسابوري، ونعتقد أنه خطأ مطبعي، والصحيح "علمائهم" كما وردت في السيوطي)، بعد أن ناشده الله "الذي أنزل التوراة على موسى (عليه السلام)"، فقال الرجل: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك. نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم"، فنزلت الآية1.

وقد تكرر هذا القول الكريم في آية أخرى حيث جاء: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا، واسمع غير مُسمع وراعنا، ليَـاً بألسنتهم وطعناً في الدين..) (النساء 4/64) وجاء في أسباب النزول للسيوطي (على هامش القرآن الكريم) أن اليهود كانوا يحرّفون الكلام الذي أنزل في التوراة من نعت النبي محمد (صلعم)، ويقولون للنبي إذا أمرهم بشيء "سمعنا قولك وعصينا أمرك، كما يقولون له "راعنا" وهي "كلمة سبّ بلغتهم"، وكان الرسول الكريم "قد نهى عن خطابه بها". ثم إنهم كانوا يلوون بألسنتهم عند قراءتهم للتوراة فيحرّفون كلماته ويغيّرون معانيها. ويذكر المؤرخ "كمال الصليبي" أن فئة من أحبار اليهود تدعى "المصوريتين" أي "أهل التقليد" هي التي كانت تقوم بهذا العمل بدءاً من القرن السادس حتى القرن العاشر الميلادي، وقد قام هؤلاء بتحريف النصوص التوراتية عن طريق إدخال الحركات والضوابط عليها بصورة اعتباطية.. مما غيّر إعراب الجمل وحوّر المعاني". وقد رفض فريق آخر من أحبار اليهود يدعى "الربّانيين" عمل "المصوريتين" هذا، إلا أنه قُبل به فيما بعد "وأصبح النص التوراتي المصوريتي المضبوط من التوراة هو النص المعتمد من اليهود"، كما قبل المسيحيون أيضاً واعتمدوا في ترجماتهم للعهد القديم، مع أن "علماء التوراة اليوم، بمن فيهم علماء اليهود، يعرفون تماما أن ضبط المصوريتين للتوراة لم يكن صحيحاً في مواقع كثيرة"، وأن "محاولات التصحيح" التي أجراها علماء التوراة لم تفلح حتى اليوم، بإعادة تكوين التوراة تكويناً صحيحاً، وذلك لأن التحريف الذي جرى على النص التوراتي "أضخم بكثير مما يتصوره علماء التوراة"2 هذا ما يراه "الصليبي" من تحريف اليهود للتوراة، ولكن ما ورد في نصوص القرآن الكريم يؤكد أن التحريف قد تجاوز حدود "لي الألسنة" و"إدخال الحركات والضوابط" إلى تغيير متعمد في الكلمات والعبارات، إلى حدّ "إخفاء" كثير منها واستبدالها بسواها، كما سيتبين لنا فيما سنستعرضه من آيات كريمة.

-وقال تعالى: (وما قدروا الله حق قدره، إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدىً للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً..) (الأنعام 6/91). وجاء في أسباب نزول هذه الآية أن اليهود سألوا رسول الله (صلعم): "يا محمد، أأنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل من السماء كتاباً" فأنزل اللّه تعالى هذه الآية3. وورد في تفسير الجلالين أن اليهود كتبوا التوراة على قراطيس (أي في دفاتر مقطعة) لكي يخفوا ما يريدون إخفاؤه منها، مثل نعت النبي محمد (صلعم).

-وقال تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) (البقرة 2/75) وقد نزلت الآية في أحبار اليهود الذين كانوا "يسمعون كلام الله في التوراة ثم يحرفونه" أي يغيّرونه4. وجاء في أسباب نزولها أنها نزلت في السبعين رجلاً، الذين اختارهم موسى (عليه السلام) "ليذهبوا معه إلى الله"، فلما عادوا أدّى الصادقون منهم ما سمعوا من كلام الله، وأما الآخرون فقالوا: "سمعنا اللّه، من لفظ كلامه، يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس". إلا أن أكثر المفسرين يرون أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين غيّروا آية الرجم وصفة محمد (صلعم)5.

وقال تعالى: (فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون) (البقرة 2/79) وجاء في أسباب نزول هذه الآية أنها نزلت في أحبار اليهود الذين غيّروا من صفات النبي (صلعم) كما وردت في التوراة، فقالوا أن التوراة وصفته "طويلاً أزرق سبط الشعر" بينما ذكرت التوراة أنه "أكحل أعيّن، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، وقد قام أحبار اليهود بهذا التحريف في التوراة كي ينفوا صفة النبوة عن محمد (صلعم)6.

-وقال تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكّروا به) (المائدة 5/13).

وجاء في تفسير هذه الآية للجلالين أنها تعني اليهود الذين حرّفوا نعت النبي محمد (صلعم) في التوراة وغيّروه، كما أنهم نسوا ما أمروا به في التوراة من اتّباع النبي محمد (صلعم)7.

-وقال تعالى: (يا أهل الكتاب لِمَ تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (آل عمران 3/71) وجاء في تفسير هذه الآية للجلالين أنها نزلت في اليهود الذين كانوا يخفون صفات النبي (صلعم) كما وردت في التوراة وهم يعلمون ذلك ويعلمون أنها حق.

-وقال تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) (المائدة 5/15). وجاء في أسباب نزول هذه الآية أنها نزلت في اليهود وكانوا قد أتوا إلى النبي (صلعم) يسألونه عن الرجم، فسأل عن أعلمهم فدلوه على ابن صوريا، فناشده "بالذي أنزل التوراة على موسى والذي رفع الطور والمواثيق التي أخذت عليهم"

فقاله له ابن صوريا أنه "لما كثر (الزنى) فينا، جلدنا مئة وحلقنا الرؤوس"8، مخفياً، بذلك، الحكم الحقيقي للزنى، كما ورد في التوراة، فحكم الرسول عليه بالرجم ونزلت الآية.

- وقوله تعالى: (وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند اللَّه وما هو من عند اللَّه، ويقولون على اللَّه الكذب وهم يعلمون) (آل عمران 3/78). وجاء في تفسير هذه الآية، للجلالين، أنها نزلت في اليهود، وخصوصاً "كعب بن الأشرف"، حيث كانوا يلوون ألسنتهم عند قراءتهم للتوراة كي لا يفهم كلامهم ويحرّفون، بقراءاتهم، ما يريدون تحريفه منه، وخصوصاً صفات النبي (صلعم)، فتحسبهم يقرؤون الكتاب الذي أنزله اللّه وهم لا يقرؤون، ويقولون هذا من عند اللَّه، وهم كاذبون.

وقوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد اللَّه وأيْمانهم ثمناً قليلاً لا خَلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم اللَّه ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم) (آل عمران 3/77). وجاء في أسباب نزول هذه الآية أنها نزلت في اليهود الذين أغراهم كعب بن الأشرف بالمال كي يشهدوا أن صفات النبي ليست هي التي وردت في التوراة قائلين أنهم وجدوا النعت الوارد في كتابهم مخالفاً لنعت محمد (صلعم)، فنزلت بهم الآية9. وذكر السيوطي أنها نزلت في "حي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل اللَّه في التوراة وبدلوه وحلفوا أنه من عند اللَّه"10.

ويجمع المفسرون المسلمون على تأكيد وقوع التحريف في التوراة، إلا أنهم يختلفون في معنى هذا التحريف ومداه، فمنهم من يرى أن التحريف والتبديل تما في التأويل لا في النص، ومن هؤلاء البخاري وابن كثير. ومنهم من يرى أن التحريف والتبديل قد أصابا "جملاً قليلة وألفاظاً يسيرة"، ولكن أكثره ظل كما أنزل على موسى (عليه السلام). وآخرون يرون أن معظم التوراة التي أنزلت على موسى قد حرف وبدل بشكل أساسي بحيث لم يبق منها إلا النزر اليسير، ومن هؤلاء ابن حزم الأندلسي والإمام الغزالي، والإمام الشافعي، وابن قيَم الجوزية، وابن تيمية وغيرهم 11 . ويرى بعض العلماء أن التحريف قد تم، في معظمه، بالتبديل أو الزيادة أو النقصان، أو بتغيير المعنى (في التفسير) دون تغيير اللفظ 12 ، مما أدى إلى ضياع التوراة الأصلية، إذ طغى عليها التحريف والتبديل لفظاً ومضموناً ومعنى، وخضعت للكثير من أهواء النساخ والمؤلفين وأذواقهم ومآربهم وميولهم. ويكفي أن نذكر ما طرأ على آخر أسفار التوراة (تثنية الاشتراع) من زيادة وتعديل، حتى ندرك جسامة هذا التحريف ومداه، فنحن نقرأ فيه تفاصيل عن وفاة موسى، وما كان لموسى أن يتحدث عن تفاصيل وفاته، كما نرى في أسفار التوراة كلها، إن الحديث يجري على لسان موسى (وكلم الرب موسى، وقال الرب لموسى، وتقدم إلى موسى، وخرج موسى، وبركات موسى، ونشيد موسى، إلخ...) وليس بلسان موسى نفسه، مما يؤكد أن موسى ليس هو المتكلم، وبالتالي ليس هو واضع هذه الأسفار.

2- محققو العهد القديم:

يعرّف محققو "العهد القديم" في ما سمي "بمدخل إلى الكتاب المقدس" والذي نقلته "الرهبانية اليسوعية من الترجمة المسكونية الفرنسية للكتاب المقدس"،13هذا الكتاب (العهد القديم) بأنه "مجموعة كتب مختلفة جداً" يمتد زمن وضعها "على أكثر من عشر قرون، وتنسب إلى عشرات المؤلفين المختلفين"، وقد وضع "بعضها بالعبرية، مع بعض المقاطع بالآرامية، وبعضها الآخر باليونانية، وتشتمل على مختلف الفنون الأدبية "كالرواية التاريخية ومجموعة القوانين والوعظ والصلاة والقصيدة الشعرية والرسالة والقصة" 14 . أما واضعوه فهم عبارة عن "أناس مقتنعين بأن اللَّه دعاهم لتكوين شعب يحتل مكاناً في التاريخ بتشريعه ومبادئه في الحياة الفردية والجماعية" 15 .

فالقضية، إذن، قضية قناعة من أناس يدّعون أن "اللّه دعاهم لتكوين شعب" وليست قضية وحي منزل ولا قضية أناس ملهمين. أنها مسألة تأليف بشري لنصوص سطرت فيها القناعات الشخصية لهؤلاء المؤلفين "بدعوة من اللَّه" كما يدّعون.

وكان محققو العهد القديم أكثر صراحة ووضوحاً في التعبير عن قناعاتهم عندما قالوا أن أسفار الكتاب المقدس "عمل مؤلفين ومحررين عرفوا بأنهم لسان حال اللَّه في وسط شعبهم، ظل عدد كبير منهم مجهولاً" وأن "معظم عملهم مستوحى من تقاليد الجماعة" 16 . ويذكر هؤلاء المحققون أن هذه الأسفار لم توضع في صيغتها النهائية إلا بعد أن "انتشرت زمناً طويلاً بين الشعب، وهي تحمل آثار ردود فعل القرَاء في شكل تنقيحات وتعليقات، وحتى في شكل إعادة صيغة بعض النصوص إلى حد هام أو قليل الأهمية". وأكثر من ذلك، فإن أحداث الأسفار "ما هي، أحياناً، إلا تفسير وتحديث لكتب قديمة" 17 غير منزلة ولا سماوية ولا دينية طبعاً، وهو ما يؤكد، بلا أدنى شك، أن معظم ما جاء في هذه الأسفار لا علاقة له، من قريب أو من بعيد، بالسماء.

ويذكر هؤلاء المحققون أن أسفار الشريعة الخمسة، أو "التوراة" تحتوي "من جهة على روايات وتقاليد قصصية، ومن جهة أخرى على شرائع بحصر المعنى، وتقاليد اشتراعية أثرت في مراحل تكوين شعب إسرائيل وأمَّنت بنيته" 18 ، إلا أنه، وإن كانت شرائع التوراة تعبّر، إلى حد كبير، عن شريعة موسى، رغم ما أدخل عليها من تعديلات وإضافات وفقاً لأهواء المؤلفين، فإن الروايات والقصص التي وردت في أسفار هذه التوراة تبدو أقرب إلى الأساطير الخرافية منها إلى الحقائق التاريخية العلمية. 19

3- سبينوزا:

لقد اكتسبت آراء الفيلسوف الهولندي "باروخ دي سبينوزا Baruch de spinoza (1632-1677) ، في التوراة خصوصاً، والعهد القديم عموماً، أهمية خاصة لدى الباحثين والمفكرين في كل الأوساط العالمية، وذلك لما تضمنته من صراحة وجرأة نادرتين في نقد الفكر الديني العبراني.

يرى سبينوزا 20 أن الظواهر المعجزات التي رواها العهد القديم ليست خروجاً على الطبيعة، بل أنها خليط من خيال الرواة وحوادث الطبيعة، ويتساءل عما إذا كان ممكناً حدوث شيء ما يناقض قوانين الطبيعة، ولكنه ينفي ذلك قائلاً إنه " لا جديد يحدث في الطبيعة" وإنه يتبين "بأعظم قدر من الوضوح، إن المعجزات كانت ظواهر طبيعية، وبالتالي يجب تفسيرها بحيث لا تبدو جديدة... أو مناقضة للطبيعة، بل يجب أن نفسرها مبينين، بقدر ما نستطيع، اتفاقها التام مع سائر الأشياء" وعلى هذا الأساس، يحاول سبينوزا أن يفسر ما ورد في العهد القديم من معجزات مثل شق البحر بعصا موسى، والضربات العشر، وتوقيف الشمس في كبد السماء، بأنها أحداث طبيعية ليس فيها شيء من الإعجاز، وإن شق البحر، مثلاً، حصل على يد الاسكندر المقدوني كما حصل على يد موسى، فهل يجب اعتبار الاسكندر نبياً، إذن؟. وهكذا يحاول سبينوزا أن يجرد العهد القديم، ولا سيما التوراة، من خصوصية مهمة ترفعه إلى مرتبة القداسة، وهي اعتماد المعجزة، إلى حد كبير، لإثبات نبوة موسى (عليه السلام).

انطلاقاً من هذه النظرية، يرى سبينوزا أن "القاعدة العامة" التي يجب اعتمادها لتفسير الكتاب المقدس هي أن "لا ننسب أية تعاليم سوى تلك التي يثبت الفحص التاريخي"، بوضوح تام، أنه قال بها" 21 يعني أن تكون علمية البراهين التاريخية هي الأساس في تفسير الكتاب المقدس وتصديق روايته. ويحدد سبينوزا الطريقة التي يجب أن يتم بها هذا "الفحص التاريخي"، وهي كناية عن مجموعة من الأسئلة يجب طرحها قبل اتخاذ القرار النهائي بمصداقية الكتاب، وهي:

"سيرة مؤلف كل كتاب وأخلاقه والغاية التي كان يرمي إليها، ومن هو، وفي أية مناسبة كتب كتابه، وفي أي وقت، ولمن، وبأية لغة كتبه؟

- "الظروف الخاصة بكل كتاب على حدة: كيف جمع أولاً، وما الأيدي التي تناولته، وكم نسخة مختلفة معروفة من النص، ومن الذين قرروا إدراجه في الكتاب المقدس؟

- "وأخيراً، كيف جمعت جميع الكتب المقننة (أي اعترفت بها الكنيسة رسمياً) في مجموعة واحدة؟" 22 .

ويرى سبينوزا أنه لا بد من قرار حاسم بأن "لا نسلّم بشيء لا يخضع لهذا الفحص أولا يستخلص منه، بوضوح تام، على أنه عقيدة مؤكدة للأنبياء"، وعندها، وبعد أن تنتهي من فحص الكتاب على هذا الأساس، نعمد إلى "دراسة فكر الأنبياء والروح القدس" 23 لكي نصل إلى النتيجة المنطقية التي نصنّف، على أساسها، الكتاب بين الكتب المقدسة أو نرفض تصنيفه بينها.

وعلى هذا الأساس، ينتقل سبينوزا إلى التحقيق في أسفار العهد القديم، والتحقق من "قدسيتها"، فيقرر أننا "نجهل تماماً مؤلفي كثير من هذه الأسفار، أو نجهل الأشخاص الذين كتبوها... أو نشك فيهم"، كما أننا "لا ندري في أية مناسبة وفي أي زمان كتبت هذه الأسفار التي نجهل مؤلفيها الحقيقيين، ولا نعلم في أي أيدي وقعت، وممن جاءت المخطوطات الأصلية التي وجد لها عدد من النسخ المتباينة، ولا نعلم، أخيراً، إذا كانت هناك نسخ كثيرة أخرى في مخطوطات من مصدر آخر" 24 . إضافة إلى ذلك، فنحن "لا نملك هذه الأسفار في لغتها الأصلية، أي في لغة كاتبها" مما يزيد من صعوبة تفسيرنا لها تفسيراً صحيحاً 25 .

ويرى سبينوزا أن المعلومات التاريخية عن الكتاب المقدس، "ناقصة، بل وكاذبة"، وأن الأسس التي تقوم عليها معرفة هذا الكتاب "غير كافية، ليس فقط من حيث الكم" بحيث لم نستطيع أن نقيّمها بشكل صحيح، "بل أنها، أيضاً، معيبة من حيث الكيف"، ولكن الناس المتشبثين بآرائهم الدينية يرفضون "أن يصحح أحد آراءهم" هذه، بل أنهم "يدافعون بعناد" عن هذه الآراء، مهما كانت مغلوطة ومشوشة، كما يدافعون عن "الأحكام المسبقة... التي يتمسكون بها باسم الدين". وهكذا، لم يعد العقل مقبولاً "إلا عند عدد قليل نسبياً" 26 .

واستناداً إلى هذه النظريات، يثير سبينوزا تساؤلات مهمة حول أسفار العهد القديم عموماً، وأسفار التوراة خصوصاً، ثم يقرر ما يلي، معتمداً في تقريره على (ابن عزرا): "أن موسى ليس هو مؤلف الأسفار الخمسة (التوراة) بل أن مؤلفها شخص آخر عاش بعده بزمن طويل، وأن موسى كتب سفراً مختلفاً" 27 .

ولتأكيد تقريره هذا، يقدم سبينوزا البراهين التالية:

1- "لم يكتب موسى  مقدمة التثنية لأنه لم يعبر الأردن".

2- "كان سفر موسى، في حجمه، أقل بكثير من الأسفار الخمسة" (كتب السفر كله على حافة مذبح واحد، وفقاً لما جاء في التثنية 27 ويشوع 8: 32).

3- ورد في سفر التثنية (9:31) أن موسى كتب هذه التوراة (أو هذه الشريعة)، "ويستحيل أن يكون موسى قد قال ذلك، بل لا بد من أن يكون قائلها كاتباً آخر يروي أقوال موسى وأعماله".

4- عندما يتحدث الراوي، في سفر التكوين (الإصحاح 12)، عن رحلة ابراهيم في أرض كنعان، يقول:

"والكنعايون حينئذ في الأرض" مما يدل على أنهم، أي الكنعانيين، لم يكونوا في هذه الأرض عندما كتب هذا الكلام، مما يعني أن هذا الكلام قد كتب "بعد موسى، وبعد أن طرد الكنعانيون ولم يعودوا يشغلون هذه المناطق"، وبالتالي، فإن الراوي، "لم يكن موسى، لأن الكنعانيين، في زمان موسى، كانوا لا يزالون يملكون هذه الأرض".

5- ورد في سفر التكوين (22: 14) أن "جبل موريا سمي جبل اللَّه" إلا أن ذلك الجبل لم يحمل هذا الاسم "إلا بعد الشروع في بناء المعبد" 28 ويستطرد سبينوزا: "والواقع أن موسى لا يشير إلى أي مكان اختاره اللَّه، بل أنه تنبأ بأن اللَّه سيختار، بعد ذلك، مكاناً سيطلق عليه اسم اللَّه".

6- ورد في سفر التثنية (3: 11) عبارة خاصة بعوج ملك باشان: "وعوج هذا هو، وحده، بقي من الرفائيين، وسريره سرير من حديد، أو ليس هو في ربة بني عمون؟ طوله تسع أذرع وعرضه أربع أذرع بذراع الرجل؟ "وتدل هذه الإضافة" بوضوح تام، على أن من كتب هذه الأسفار عاش بعد موسى بمدة طويلة.... وفضلاً عن ذلك، فلا شك في أنه لم يعثر على هذا السرير الحديدي إلا في عصر داود الذي استولى على الرباط (ربة عمّون) كما يروي صموئيل الثاني (12: 30) 29

7- تتحدث التوراة، في أسفارها (ما عدا التكوين)، عن موسى "بضمير الغائب" فتقول، مثلاً: قال موسى للَّه، وذهب موسى، وكلم الرب موسى، ودعا الرب موسى، وغضب موسى على ضباط الجيش إلخ... (ونجد ذلك بكثرة في الأسفار الأربعة من التوراة: الخروج والاحبار والعدد والتثنية، بينما نرى، أحياناً، وفي سفر التثنية، أن موسى يتحدث بنفسه، وبضمير المتكلم، وذلك بعد أن يقدمه الراوي قائلاً: "هذا هو الكلام الذي كلّم اللَّه به موسى كل إسرائيل في عبر الأردن" (تث 18: 1)، ثم يستطرد: "شرع موسى في شرح هذه الشريعة فقال: الرب الهنا... قلت لكم... ثم رحلنا... فأجبتموني... كما أمرني الرب... ثم كلمني الرب... فأرسلت رسلاً... ثم تحولنا.. وأمرتكم.. الخ..." وظل موسى يتكلم بنفسه، كما قدمه الراوي، طيلة الخطاب الأول من السفر المذكور (تث 4: 39)، حيث عاد الراوي إلى الكلام عن موسى بضمير الغائب: "حينئذ أفرد موسى ثلاث مدن.." (تث 4: 41). وبدأ الراوي خطاب موسى الثاني بقوله: "هذه هي الشريعة التي وضعها موسى أمام بني إسرائيل" (تث 4: 44)، فكانت: الوصايا العشر (تث 5- تث 12) ثم مجموعة الفرائض والأحكام (تث 12- تث26)، وقد صيغت كلها بضمير المتكلم، حتى إذا وصل الراوي إلى خطاب الخاتمة الذي هو نهاية الخطاب الثاني (تث 27- تث 28)، عاد ليتحدث عن موسى بضمير الغائب، إلى أن يصل إلى أعمال موسى الأخيرة ووفاته، حتى آخر السفر. ويرى سبينوزا، أن بعض سفر التثنية، وليس كله، هو الذي يمكن نسبته إلى موسى، وأن الراوي هو الذي نقل كلام موسى وليس موسى نفسه الذي تحدث مباشرة، وأن طريقة الكلام والشواهد، ومجموع نصوص القصة كلها، يدعو إلى الاعتقاد بأن موسى لم يكتب هذه الأسفار، بل كتبها شخص آخر 30 .

8- بالإضافة إلى أن سفر التثنية وقد روى قصة وفاة موسى ودفنه، وهي قصة لا بد من أن تكون خارجة عن نطاق أعمال موسى في هذا السفر، فإن الراوي يرى أن موسى فاق من جاء بعده من الأنبياء في بني إسرائيل، إذ يقول: "ولم يقم من بعد في إسرائيل نبي كموسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه" (تث 34: 10) مما يؤكد، بلا أدنى شك، أن صاحب الكلام هو غير موسى بالطبع.

9- وردت في أسفار التوراة أسماء أطلقت على أمكنة لم تعرف بها في عهد موسى، بل عرفت بعده بزمن طويل، مثل ما ورد في سفر التكوين بأن ابراهيم "جد في أثرهم" (أي في أثر الأعداء) حتى دان" (تك 14: 14). ولم تحمل "دان" هذا الاسم إلا بعد موت يشوع بمدة طويلة، كما ورد في سفر القضاة 31 .

10- كثيراً ما يتجاوز الراوي، في رواياته في أسفار التوراة، حياة موسى، كأن يروي، في سفر الخروج (16: 35) أن بني إسرائيل أكلوا "المنّ أربعين سنة، إلى أن وصلوا إلى أرض عامرة، أكلوا المنّ إلى حين وصلوا إلى أرض كنعان "حيث" انقطع المنّ من الغد، منذ أكلوا من غلة الأرض" (يش 5: 12)، ومعلوم أن موسى قد مات قبل دخول العبرانيين إلى أرض كنعان وأكلهم من غلتها. أو أن يروي، في سفر التكوين ( 36: 31) عن "هؤلاء الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم، قبل أن يملك ملك في بني إسرائيل"، إذ يتحدث الراوي "عن الملوك الذين كانوا يحكمون الأدوميين قبل أن يخضعهم داود لحكمه "حيث جعل داود" في "أدوم محافظين، وصار جميع الأدوميين رعايا لداود" ( 2صم 8: 14)، مما يؤكد أن الراوي في هذا السفر قد عاش بعد داود 32 .

بعد كل ما تقدم، يصل سبينوزا (ونشاركه في ذلك) إلى الاستنتاجات التالية:

1- من الواضح "وضوح النهار" أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، بل كتبها شخص عاش بعد موسى بقرون عديدة"، وإن كان موسى قد كتب بعضها مثل: سفر حروب الرب، وسفر العهد، وسفر توراة اللَّه، التي ورد ذكرها في أسفار التوراة (في سفر العدد وسفر الخروج وسفر التثنية) 33.

2- ليس لدينا أي سفر "يحتوي، في الوقت نفسه، على عهد موسى وعهد يشوع"، مما يدل على أن سفر "توراة اللَّه" قد فقد، ونستنتج، بالتالي، من ذلك، أن هذا السفر "لم يكن من الأسفار الخمسة (التي تؤلف التوراة حالياً) بل كان سفراً مختلفاً كلياً، أدخله مؤلف الأسفار الخمسة في سفره، في المكان الذي ارتآه".

3- يبدو أنه "من بين جميع الأسفار التي كتبها موسى"، لم يأمر بالمحافظة، دينياً، إلا على سفر واحد هو سفر العهد الثاني 34 الذي هو "التوراة الصغير والنشيد".

4- ليس من الثابت أن موسى قد كتب غير هذه الأسفار التي سبق ذكرها، "ولما كانت توجد نصوص كثيرة، في الأسفار الخمسة، لا يمكن أن يكون موسى كاتبها، فإن أحداً لايستطيع أن يؤكد، عن حق، أن موسى هو مؤلف هذه الأسفار الخمسة، بل على العكس، يكذب العقل هذه النسبة".

5- حتى لو أننا سلمنا بأنه "مما يبدو متفقاً على العقل أن يكون موسى قد كتب الشرائع في نفس الوقت وفي نفس المكان الذي أوحيت إليه فيه "يقول سبينوزا: "فإني، مع ذلك، أنكر إمكان تأكيد ذلك "لسبب هو أننا" لا ينبغي أن نسلّم، في مثل هذه الحالات، إلا بما يثبته ذلك الكتاب نفسه، أو ما يستنبط كنتيجة مشروعة من الأسس التي يقوم عليها، إذ إن الاتفاق الظاهر مع العقل ليس دليلاً، وأضيف أن العقل لا يضطرنا إلى التسليم بهذا" 35 .

ويتابع سبينوزا، فيما تبقى من كتابه، تقديم براهين مماثلة لإثبات أن الأسفار المتبقية من العهد القديم (يشوع والقضاة وصموئيل والملوك الخ..) لم يكتبها من سميت بأسمائهم (مثل يشوع وصموئيل مثلاً)، إنما يبدو، من تسلسلها ومحتواها، أن كاتبها "مؤرخ واحد أراد أن يروي تاريخ اليهود القديم منذ نشأتهم الأولى حتى هدم المدينة لأول مرة"، وربما عزرا 36 .

4- الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية:

يعرض الدكتور "محمد علي البار" في كتابه "المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم" رسالة من الدكتور "صبري جوهرة" الذي يصفه بأنه "زميل وصديق قديم... من أقباط مصر.. يعمل جراحاً في الولايات المتحدة، وله ثقافة واسعة، وخاصة في أمور العقيدة القبطية"، كما يصف الرسالة بأنها ملخص موقف الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية "تلخيصاً جيداً". وقد جاء في الرسالة أن اللَّه (عز وجل) قد سمح للإنسان (وهو، في هذه الحالة، كاتب السفر) أن يضع "كل إحساساته وميوله في النصوص، ما دام ذلك لا يغير ما قصده اللَّه من معاني السفر الأخلاقية والدينية"، وعلى هذا الأساس "تعترف الكنيسة بعدم دقة الكتاب في معلوماته الفلكية والجغرافية والتاريخية والجيولوجية" ذلك أن الغاية منه هي أن "يعلّم الدين والأخلاق، ويساعد على الوصول إلى طريق الصلاح والسعادة"، ومن هنا، فإن كل من يتمسك بحرفيته "كمصدر آخر غير الأخلاق والدين" لا بد من أن يبتعد به عن غايته الأصلية، ويحيد عن الفهم الصحيح للغرض الديني والأخلاقي للكتاب.

وترى المسيحية، كما يشرح الدكتور جوهرة في رسالته، أن الكتاب المقدس هو "عمل مشترك بين اللَّه والإنسان، وضع فيه كلاهما ما يريد" بحيث جاءت النتائج وهي تعكس "كما قال اللَّه في صحة تعاليم الأخلاق وعلاقات البشر بعضهم ببعض" كما تعكس "عدم كمال الإنسان بكتابته لمعلومات علمية غير دقيقة، وأحياناً مضحكة"، وأما ما يقال عن "التحريف المتعمد أو غيره، فالكنيسة لا تعتقد بحدوثه" كما أنها " لا تعترف بتحريف وتغيير المعاني الأصلية". ويرى الدكتور جوهرة أن مزامير داود "منقولة حرفياً... وبدون تصرف، من أناشيد أخناتون" أول فرعون اعتمد ديانة التوحيد في مصر 37 .

ونحن إذ ننقل، حرفياً، بعض ما ورد في رسالة الدكتور جوهرة للدكتور البار، باعتبار أن الأول مسيحي قبطي مثقف في أمور اللاهوت، نحرص على أن لا نعلق على ما ورد في الرسالة، تاركين للمراجع اللاهوتية المسيحية (الأرثوذكسية والكاثوليكية) مناقشته إن ارتأت ذلك.

5- شهادات أخرى:

1- ترى "الموسوعة البريطانية" أن مؤلفي أسفار "العهد القديم" مجهولون، وليس معروفاً أن كان جمعها قد تم، "على يد أفراد أو جماعات"، وأنها كتبت "باللغة العبرية فقط، عدا بعض المقاطع القصيرة النادرة التي دونت باللغة الآرامية"، إلا أن الجماعة اليهودية عمدت، لأسباب فقهية، إلى ترجمة التوراة (أو الأسفار الخمسة) من العبرية إلى الآرامية، و "قد ضاعت المخطوطات العبرية الأصلية، ولم يصلنا سوى الترجمات".

وفي القرن الثالث الميلادي، قام الفقهاء اليهود بترجمة الشريعة العبرية إلى اليونانية فيما يعرف "بالترجمة السبعينية" ثم أدى انتشار المسيحية إلى ترجمة نصوص الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد) في مختلف اللغات 38 .

وترى الموسوعة البريطانية، بحسب روايات العهد القديم: أن موسى "احتفظ بصحف مكتوبة" (خر 17: 14 وخر 24: 4 وخر 34: 27- 28 وعد 33: 2 وتث (31: 9 و 24-26)، وأنه "حتى مع التوسع في تقدير هذه الصحف، فإنها لا تبلغ أكثر من خُمس الأسفار الخمسة، وهكذا يكون الادعاء التقليدي بأن موسى هو مؤلف الأسفار الخمسة ادعاء غير قابل للثبات وغير مدافع عنه". كما ترى هذه الموسوعة أن موسى "وضع الوصايا العشر، وكان وسيطاً للعهد (مع الرب)، وبدأ عملية إصدار فتاوى أضافها إلى بنود العهد، وجمعها وتصنيفها" وأنه "دوّن، ولا شك، بعض الصحف التي استخدمت أساساً لمجموعة متزايدة من القوانين والتقاليد". ورغم ذلك، فهي ترى أنه "يمكن وصف الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس العبري (العهد القديم) بأنها موسوية"، ذلك أنه، بدونها "لم يكن هناك وجود لاسرائيل، ولا لمجموعة تعرف بالتوراة" 39 .

أما الوسائل التي أتاحت للباحثين تمييز المصادر الأساسية للأسفار الخمسة وتحديد تسلسلها الزمني فهي: اليهودية (نسبة للرب باسم يهوه)، والألوهية (نسبة للرب باسم ألوهيم)، والتثنوية، والكهنوتية. وقد تم، بعد ذلك، اكتشاف مصادر أخرى للعهد القديم، منها كتابان من الأدب العبري القديم مفقودان اليوم ويحتويان، في أجزاء منهما، القصص الأولى، وهذان الكتابان هما: كتاب حروب يهوه وكتاب "ياشار" (العادل)، وقد كتبا بلغة شعرية 40 .

2- وترى الموسوعة الفرنسية "كييه Quillet "   أن أقدم نص كامل للعهد القديم بالعبرية، يعود تاريخ إلى العام 950م، ولم يصلنا منه، قبل ذلك، سوى نتف قليلة "باستثناء مخطوطات صحراء اليهودية التي تعود، عادة، إلى القرن الثاني ق. م. والتي تعود إلى كل أسفار العهد القديم، باستثناء سفر استير".

وقد كتبت معظم أسفار العهد القديم باللغة العبرية (اللغة السامية التي استخدمت في فلسطين حتى القرن السادس ق. م.)، بينما كان هناك بعض أقسام من الأسفار باللغة الآرامية (اللغة الدولية المتداولة في آسيا القديمة، والتي استخدمها اليهود منذ سبيهم إلى بابل)، كما أن آخر سفر من العهد القديم. وهو سفر الحكمة، قد كتب باللغة اليونانية 41 .

"ووفقاً للمفهوم المسيحيي، تعتبر التوراة حصيلة تعاون بين اللَّه والإنسان، فاللَّه هو المؤلف الحقيقي، لأنه هو الذي أوحى للكاتب وتكشّف له، ولكن الكاتب، هو أيضاً، المؤلف، كلياً، للكتاب الذي كتبه، لأنه وضع فيه كل شخصيته. وينتسب مؤلفو التوراة إلى العصور القديمة، السامية والهلينية، لذا، نراهم يستخدمون عدة أشكال للتعبير الأدبي ليس مألوفاً لدينا"، وعلى هذا، فإننا نجد، مثلاً، في الفصلين الأولين من سفر التكوين "فكراً لاهوتياً، مع مجموعة من التقاليد الشعبية، في الوقت نفسه". 42

وفي أي حال، فإن مؤلف التوراة "لم يكن ينوي، في أي وقت، أن يعلّم العلوم، ولكن، بما أنه ينتمي إلى عصر محدد، فهو يستخدم علوم ذلك العصر ومعارفه، وحتى أساطيره وفنونه الشعبية". وهكذا، فإن التوراة تاريخ "لتقدم بطيء، في المجالين الأخلاقي والروحي، لشعب اللَّه، هذا التقدم الذي هو اليوم، بالنسبة إلى المسيحيين، مستمر في الكنيسة" 43.

3- ويرى الباحث "موريس بوكاي" أن "اليهودية والمسيحية" ظلتا خلال قرون طويلة "تقولان بأن مؤلف التوراة "هو موسى نفسه"، وربما كان ذلك بسبب ما ورد في سفر الخروج (1- 14) والعدد (2: 23) والتثنية (9: 31) من أن اللَّه أمر موسى بأن يكتب.

ومنذ القرن الأول قبل الميلاد، كان هناك دفاع عن النظرية القائلة بأن موسى هو كاتب الأسفار الخمسة للتوراة، ولكن هذه النظرية سقطت اليوم ولم تعد قائمة، رغم أن "العهد القديم" ينسب إلى موسى "أبّوة" هذه الأسفار.

ويستند "بوكاي" في حججه لدعم النظرية القائلة بأن موسى ليس مؤلف التوراة، على تلك التي يقدمها الأب ديفو De Vaux ( مدير المدرسة التوراتية في القدس)، الذي وضع، عند ترجمته لسفر التكوين ( عام 1962)، مقدمة عامة للأسفار الخمسة للتوراة تضمنت "حججاً ثمينة جداً تنقض التأكيدات الأنجيلية لأبوة موسى لهذه الأسفار"، كما ذكر أنه "في القرن السادس عشر(م)، لاحظ (كارلستادت Karlstadt ) أن موسى لم يستطع كتابة قصة موته في سفر التثنية" (5: 34- 12). وعدّد كارلستادت، كذلك، انتقادات أخرى ترفض نسبة قسم من الأسفار الخمسة إلى موسى. وهناك أيضاً، كتاب ريشارد سيمون Richard Simon "  التاريخ النقدي للعهد القديم Histoire critique du vieux testament ( عام 1678) الذي يبين الصعوبات التأريخية والتكرار وفوضى الروايات والاختلاف في الأسلوب، في هذه الأسفار"، ومع ذلك، "لم يؤخذ بحجج ريشارد سيمون قط، وظلت كتب التاريخ ترجع، حتى مطلع القرن الثامن عشر، إلى المراجع السحيقة القدم "لتتحدث عن "ما كتبه موسى".

وكان من الصعب جداً إلغاء هذه النظرية التي يدعمها "المسيح نفسه" في العهد الجديد".

وفي العام 1753، صدر كتاب "لجان استروك Jaen Astruc "   الطبيب الخاص للملك لويس الخامس عشر، وضع "الحجة الحاسمة" لإلغاء هذه النظرية، إذ أثبت هذا الكتاب أن سفر "التكوين" متعدد المصادر.

وفي عام 1854، برزت نظرية تقول بأن للتوراة أربعة مصادر هي: الوثائق اليهودية والوثائق الإلوهية والتثنية، والقانون الكهنوتي. وقد حددت أزمنة هذه المصادر كما يلي:

1ً- تعود الوثائق اليهوية إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وقد كتبت في مملكة يهوذا.

2ً- وتعود وثائق الإلوهية إلى زمن أقرب، وقد كتبت في مملكة إسرائيل.

3ً- وتعود التثنية إلى القرن الثامن قبل الميلاد، عند بعضهم (أدموند جاكوب E. Jacob ) أو إلى عهد يوشيا في القرن السابع قبل الميلاد، عند بعضهم الآخر (ديفو).

4ً- ويعود القانون الكهنوتي إلى عهد السبي أو ما بعد السبي، أي إلى القرن السادس ق. م. "وهكذا يمتد ظهور نصوص الأسفار الخمسة على مدى ثلاثة قرون على الأقل".

وفي عام 1941 اكتشف لودز ( A. Lods) "  ثلاثة مصادر للوثائق اليهودية، وأربعة مصادر للوثائق الإلوهية، وستة مصادر للتثنية، وتسعة مصادر للقانون الكهنوتي". ويستطرد الأب ديفو: "هذا عدا الإضافات الموزعة بين ثمانية كتبة".

وقد أدى تعدد مصادر التوراة "إلى كثير من التناقضات والتكرار". وأعطى الأب ديفو العديد من الأمثلة على ذلك 44 .

وهكذا "تبدو الأسفار الخمسة مؤلفة من تقاليد متنوعة جمعها كتاب بمهارة تزيد أو تنقص، بحيث راكموا تجميعهم (تقميشهم) تارة، أو حولوا الروايات طوراً بهدف تركيبها، إلا أنهم تركوا فيها كل ما هو غير واقعي ونافر، مما دفع بالمحدثين إلى البحث الموضوعي عن المصادر"45. ولم يعد مستغرباً بعد ذلك، أن يقسّم الأب ديفو سفر التكوين، وحده، إلى ثلاثة مصادر أساسية، وذلك في مقدمة ترجمته لهذا السفر عام 196246.

إضافة إلى ذلك، ينكر بعض الباحثين المصريين القدامى أن يكون موسى عبرانياً، ومنهم "مانيتو" المؤرخ المصري في عهد بطليموس الثاني، وكان قد اشتهر كأستاذٍ يقصده الباحثون في مكتبة الاسكندرية، وهو يقول إن موسى "مصري عاش في أيام أمنحوتب الثالث" وأنه "أراد أن يرى الإله بعينيه حتى يصدق، وأنه درس بمدينة هليوبوليس (عين شمس)". كما ينكر بعض المؤرخين اليونانيين أن تكون قد قامت "دولة أو مملكة لإسرائيل في فلسطين، لا في أيام يشوع، ولا في أيام داود، ولا في أيام سليمان" وذلك استناداً إلى "ما جاء في كتابات المؤرخين اليونانيين، منذ القرن الثامن ق. م. "وهي كتابات" لم يرد فيها وجود لمملكة اسرائيل في فلسطين" 47 .

ثانياً: الثقافة الصهيونية:

على هذه المرويّات والأساطير الخرافية، قامت الفكرة الصهيونية والثقافة الصهيونية، ذلك أن الصهيونية، كفكرة، تسعى إلى عودة اليهود إلى "أرض اسرائيل" أو "أرض الميعاد" التي ورد ذكرها في "التوراة" التي اخترعها أحبار اليهود في منفاهم، دون أن يقدموا أي دليل على صحة ادّعاءاتهم هذه، وهي، في معناها السياسي، دعوة سياسية انطلقت من أساطير خرافية أُلبست لباس الدين وأسندت إلى مزاعم تاريخية تخفي مطامع استعمارية عنصرية، وساعد على ذلك نشوء الفكرة القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر، حيث سعت الصهيونية إلى إلباس اليهودية لباس القومية الحديثة.

كان "هرتزل" أول من تحدث عن دولة لليهود في كتابه "دولة اليهود" (صدر عام 1896) حيث طالب بأن يكون لليهود أرض يقيمون عليها دولتهم، في مكان ما من العالم، وليس، بالضرورة، فلسطين، فهو قد قال في كتابه هذا: "ليعطونا السيادة التامة على جزء كاف من مساحة الأرض، بشكل يؤمن الاحتياجات الشرعية لشعبنا، ونحن نتكفل بالباقي". بل أنه اقترح أن تقام هذه الدولة على أرض الأرجنتين، لأنها "إحدى أكثر البلاد غنى في العالم، وذات مساحة هائلة، ونسبة ضئيلة من السكان، ومناخ معتدل، أو على أرض فلسطين التي هي "بلادنا التاريخية التي لا تنسى"، ولكنه، أي هرتزل، وافق أخيراً، على أن تقوم دولة لليهود في "أوغندا" ولو بصورة مؤقتة 48 .

"بلادنا التاريخية التي لاتنسى" هكذا زوّر اليهود تاريخ فلسطين واختلقوا، لأنفسهم، وطناً على أرض لم يثبت، تاريخياً، أنها كانت، ذات يوم لهم، وغني عن التكرار أن مرويّات العهد القديم التي تزعم هذا الزعم ليست ثابتة تاريخياً.

وإذا كان "هرتزل" قد تحدث عن "دولة اليهود" دون أن يعني، في ذلك، ما عنته الصهيونية، فيما بعد، فإن الصحافي اليهودي النمساوي "ناثان بيرنبوم Nathan Birnbawm كان أول من تحدث عن "الصهيونية" في كتابه "الإحياء القومي للشعب اليهودي في وطنه، كوسيلة لحل المشكلة اليهودية" الذي صدر، باللغة الإلمانية، عام 1893، وربما يكون بيرنبوم، بالذات، قد استعمل العبارة نفسها في مقالة له كتبها عام 1886 بعنوان "التحرر الذاتي" 49 .

ويعتبر "آلان تايلر" في كتابه "الفكر الصهيوني" أن أول عبارة عن الصهيونية قد وردت على لسان المفكر اليهودي "مويز هسّ Moise Hess "   وكانت الفكرة القومية اليهودية قد بدأت تختمر في عقول العديد من المفكرين اليهود الأوروبيين اقتباساً عن الفكر القومي الذي ساد في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وقد رافق هذه النزعة العنصرية لدى يهود أوروبا إنشاء حركة، في مطلع الثمانينات، دعت نفسها "أحباء صهيون"، وكان من أهداف هذه الحركة السعي لاستيطان يهودي في فلسطين، على أن يشمل هذا الاستيطان مختلف أوجه الحياة اليهودية: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية50.

ما الذي دفع اليهود، الأوربيين خصوصاً، إلى تبني الدعوة الصهيونية التي تقوم على السعي لإنشاء قومية خاصة باليهود ترتكز على أرض خاصة بهم يعتمدونها وطناً لهم، وهم الذين يعيشون في بلدان أوروبية متحضرة ويشكلون أجزاء من شعوب أوروبية متحضرة؟ فيما لم تقم بين اليهود القاطنين في مختلف أرجاء الوطن العربي مثل هذه الدعوة، إذ من الثابت أن اليهود العرب لم يتبنوا الدعوة الصهيونية إلا بعد أن قامت في أوروبا وانتشرت بين اليهود الأوربيين؟

لا شك في أن الدوافع التي أدت باليهود إلى تبني الدعوة الصهيونية تعود إلى عوامل ثلاثة:

- العامل الأول: ديني، إذ يعتقد اليهود، فعلاً، إن ما ورد في التوراة (والعهد القديم) صحيح تاريخياً، وأنهم أصحاب فلسطين ومالكوها، وأن لديهم أوامر دينية بالعودة إليها.

- والعامل الثاني: عنصري، فاليهود قوم لم يستطيعوا، طوال تاريخهم، التأقلم والتكيف مع أي شعب من شعوب الأرض، وذلك لسبب النزعة الصهيونية التي خلقها "العهد القديم" فيهم، حين زعم أنهم "شعب اللَّه المختار" وأن عليهم أن يعودوا إلى الأرض التي وعدهم اللَّه بها، الأرض التي تدّر لبناً وعسلاً، وبأنه سوف يطرد سبعة شعوب من أمامهم.

- والعامل الثالث: سياسي، وهو القائم على الأطماع الاستعمارية الأوروبية، ومن البديهي القول أن الدول الأوروبية التي ساعدت على تحقيق ما طمح اليهود إلى تحقيقه في فلسطين لم يكن إيماناً منها بحق اليهود في فلسطين، بقدر ما كان تحقيقاً لمطامع استعمارية بحتة، إذ التقت مطامع تلك الدول بأحلام اليهود الخرافية، فتحالفت وحققت المعجزات، وساعدها على ذلك التخلف والتشرذم العربي والإسلامي.

لقد ارتكزت الثقافة الصهيونية، أساساً، على وعدٍ مزعوم بأرض فلسطين، وساعد على تغذية هذا الوهم وتعزيزه في نفوس اليهود وأفكارهم اضطهاد العالم الغربي لهم، بغية دفعهم للتمسك بهذا الوهم وتجسيده في كيان حقيقي، وساعدهم الغرب، بكل ما لديه من قوة وإمكانات في سبيل تحقيق ذلك، على حساب أصحاب الحق والأرض من العرب، ولم ينشأ اضطهاد الأوروبيين لليهود من فراغ، فقد كان اليهود، بطبيعتهم، عنصريين غير متآلفين مع باقي المواطنين، في المجتمعات التي وُجدوا أو نشأوا وترعروا فيها، وذلك بسبب ما زرعه كتابهم "المقدس" المزيف والمزعوم، في نفوسهم من عصبية وعنصرية بغيضة. وساعد على ارتكاب هذا الخطأ الكوني الكبير الذي لا تزال البشرية تعاني من نتائجه، ما أقدم عليه الباحثون والمؤرخون الأوروبيون، اليهود وغير اليهود، من تزوير للحقائق التاريخية بقصد جعل التوراة والعهد القديم "حقيقة" تاريخية.

ثالثاً: تزوير التاريخ:

وهكذا، وبدلاً من أن يسعى الباحثون والمؤرخون الغربيون إلى البحث عن الحقيقة التاريخية لمرويّات التوراة (والعهد القديم) عن طريق وضعها موضع الشك والجدل والمناقشة، شأن كل باحث علمي رصين، إذا بهم يضعونها موضع اليقين ويروحون يختلقون لها أسناداً تاريخية من خلال اختلاق تاريخ لإسرائيل القديمة وتهميش، بل وتضييع للتاريخ الحقيقي لفلسطين 51 . وقد سار، في هذا الطريق، غالبية الباحثين والمؤرخين الأوروبيين، وتبعهم، في ذلك المؤرخون العرب 52 . وتكمن المشكلة في أن "العهد القديم" هذا، بكل ما تضمنه من أساطير، قد اعتُمد، لدى معظم الباحثين والمؤرخين، كمصدر (لا يدحض) لتاريخ العبرانيين، وتاريخ فلسطين بالذات، دون أن يكون لما تضمنه هذا "الكتاب المقدس" أصل موثوق، ودون أن يحاول أولئك الباحثون المؤرخون البحث، في مصادر أخرى، أثرية (أركيولوجية) وتاريخية، عن الحقيقة التاريخية في ما أورده من مرويّات. ولمزيد من التفصيل في البرهان والحجة، سوف نعمد إلى الاستشهاد بأثرين هما من أهم من صدر، في الغرب، حول هذا الموضوع، كدحض للتزييف التاريخي الذي اعتمدته التوراة وأقرّه الباحثون والمؤرخون في الغرب خصوصاً:

1- يتناول الباحث "كيث وايتلام Keith Whitelam" البحث في صحة التاريخ العبراني، في فلسطين، استناداً إلى التوراة والعهد القديم، فيرى أن تاريخ فلسطين "غير موجود من الأساس" إذ أن "الخطاب التوراتي المهيمن" قد استبعده، فغدا تاريخ فلسطين مجرد ظلٍ مهمشٍ في إطار التاريخ العبري، حيث تم اختلاق "اسرائيل القديمة" التي يقول عنها المؤرخ "فيليب ديفيس P. Davies "   أنها "من اخترع عقول العلماء"، وأنها بعيدة كل البعد عن الحقيقة. ومما يثير السخرية لدى "كيث وايتلام" أن تاريخ "اسرائيل القديمة" قد استأثر باهتمام المؤرخين القدامى، باعتبار المرويات التوراتية حقائق تاريخية لا تناقش، وأن العديد من أعمال التنقيب الأثرية "تهيمن عليها فكرة البحث عن اسرائيل القديمة، وعن الوقائع المادية التي يفترض أنها سوف تلقي الأضواء على التوراة العبرية" 53 ، دون أي اعتبار لتاريخ فلسطين بالذات. وهكذا يبدو لنا، من وجهة نظر "وايتلام" وآخرين عديدين سواه، إن تاريخ فلسطين "مازال غير مصرّح به، محتجباً في الخطاب السائد في الدراسات التوراتية" وهي دراسات "تهتم، أساساً، بالبحث عن تاريخ اسرائيل القديم باعتباره "الميدان الذي يعين على فهم تراث التوراة العبرية" الذي هو "المنبع الأول للحضارة الغربية" 54 .

المنبع الأول للحضارة الغربية؟ لا شك في أن سيطرة اللاهوت على مضامين الثقافة الغربية وحضارتها أعطى الدراسات التوراتية أبعاداً سياسية وثقافية أضحى الغرب أسيراً لها، بثقافته وحضارته، وقد هدفت هذه الدراسات (التوراتية) في الأساس، إلى "اختلاق اسرائيل القديمة، وإسكات التاريخ الفلسطيني" كما قال "وايتلام" في عنوان كتابه هذا.

ويرى "وايتلام" أن الكذبة التاريخية الكبرى التي أطلقها الباحثون والمؤرخون الذين اعتمدوا "الدراسات التوراتية" كمصدر أساسي (وربما وحيد) لتاريخ فلسطين، قد بدأت تنكشف بسبب "تصدّع هذا الاجماع" الذي حظيت به تلك الدراسات في الفترة السابقة، مما ساعد على "تعرية الافتراضات السياسية والدينية التي عززت بناء تاريخ الدراسات التوراتية"، ويستشهد، على ذلك، بدراسة الباحثين "ميللر وهايز Miller and Hayes ( عام 1986) وهي التي كانت "نقطة تحول رئيسية في كتابة تاريخ إسرائيل من منظور توراتي "بحيث أظهر هذان الباحثان، في دراستهما، المشاكل المتزايدة المتعلقة بتاريخ اسرائيل القديم، باعتباره تاريخ الفجوات" واضطرار هذا التاريخ إلى التخلي، باستمرار، عن "مسلماته، والقواعد الثابتة التي انطلق منها" وهو ما ينذر "بموت التاريخ التوراتي" لكي يحل محله، تدريجياً "الاعتراف بالتاريخ الفلسطيني، كموضوع قائم بذاته"، وهو فهم جديد لتاريخ هذه المنطقة "يزداد ابتعاداً وانفصالاً عن الدراسات التوراتية" 55 .

وإذا كانت "اسرائيل الحديثة" قد قامت على جزء من أرض "اسرائيل القديمة" وليس كلها، وإن "أرض فلسطين" لا بد من أن تعود، "برمتها وإلى الأبد" إلى "شعب اسرائيل" كما يرى "بن غوريون" 56 ، وإذا كانت "القوى الأربع العظمى ملتزمة بالصهيونية" سواء أكانت "على خطأ أم على صواب" وذلك لأن الثقافة الصهيونية "متأصلة، بعمق، في تراث من الماضي البعيد، وفي حاجات الحاضر وآمال المستقبل" لهذه القوى، كما يقول اللورد بلفور (بعد عامين من إعلان وعده الشهير)،57فإن ما لايمكن دحضه وإنكاره هو أن هذه الصورة "التوراتية" قد بدأت بالاهتزاز في وعي المثقف الغربي الذي بدأ يتأثر بالدراسات التاريخية العلمية لهذه المنطقة، بعيداً عن المؤثرات التوراتية التي سكنت وعيه زمناً طويلاً، خصوصاً وأنه قد بدأ يعني أن ما يربط "القوى العظمى" بالكيان الصهيوني القائم حالياً على أرض فلسطين ليس "توراتياً" بقدر ما هو سياسي استعماري مفضوح.

ويرى "وايتلام" أخيراً أنه، إذا كان التاريخ الفلسطيني قد استبعد خلال القرنين الماضيين بتأثير من "المدرسة التوراتية" المزوِّرة للتاريخ برمته، مما أدى إلى حرمانه "من مكان خاص به في الخطاب الأكاديمي الغربي"، وإذا كان الاهتمام الأوروبي بفلسطين، من الوجهة الاستراتيجية، قد نشأ "مع سعيها (أي أوروبا) لمعرفة جذور حضارتها كما حددتها إسرائيل القديمة والتوراة" مما جعلها تتقبل، بسهولة، أفكار "المختصصين التوراتيين" وتقبل على تصوّر ماضي فلسطين "كما جاء في التراث التوراتي"، فإن "عدم الارتياح المتزايد" من صدقية هذا التراث، ورواج "الكتب التاريخية الجديدة المعدلة" وفقاً لمعايير علمية جديدة لقراءة تاريخ فلسطين، وما رافق ذلك من "تغيّرات" جرت داخل "التخصص الأكاديمي" المتعلق بالتراث التوراتي، حيث كشفت هذه التغيرات عن "مدى اختلاق هذا التاريخ (التوراتي) المتخيَّل بناء على نماذج من التجربة المعاصرة"، بالإضافة إلى الإسهام الذي قدمه النضال الفلسطيني المستمر "والانتفاضة الفلسطينية بشكل خاص"، قد ساعد، ذلك كله، في "استمرار تحطيم الأسس الفكرية" التي كانت سائدة بتأثر من الرواية التاريخية التوراتية58، وهو ما سوف يؤدي ولا شك، في النهاية، إلى "رد الاعتبار للتاريخ الفلسطيني" الحقيقي وغير المزوَّر والمزيف.

2- ويقدم لنا الباحث "توماس طومسون Thomas L. Thompson "   في كتابه "التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي"، نموذجاً آخر من المؤرخين الذين يفضحون التزوير التاريخي لاسرائيل القديمة (وقد بدأ عددهم يتزايد باطّراد). ويعتمد "طومسون" على نظرية "ويلهاوزن" في "الفرضية الوثائقية" التي ترى أنه يجب فهم "المصادر الأربعة59 للأسفار الخمسة الأولى" من العهد القديم (وهي أسفار الشريعة أو التوراة) على أنها "وثائق أدبية تم تأليفها وقت كتابتها"، وهي انعكاس صادق "لفهم ومعرفة مؤلفيها، وعالمهم"، وعلى هذا، فلا يمكن اعتبارها تاريخاً يعتدّ به، كما أنه لا يمكن الاستفادة منها "لإعادة تشكيل تاريخ اسرائيل القديم، السابق على وقت تأليفها" 60 .

ويرى "ماير" وهو باحث زميل لويلهاوزن، أن "المصادر الوثائقية" التوراتية ليست، في الأصل، سوى "مرويات شفهية" ومجموعات من القصص التي تألفت من الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم"، ويقدم مثالاً على ذلك حكايات "سفر التكوين" التي "تنتمي إلى عالم الخيال" وليس فيها سوى القليل" مما له علاقة بالتاريخ".

وقد وافق "ماير" في تحليله هذا باحث آخر هو "غونكيل" (وكان محاضراً في هال، إلى جانب ماير، خلال أعوام 1889- 1894). يقول "غونكيل" أن "المرويات الشفهية" التي كانت معروفة من "الأدب العالمي والأدب الشعبي" هي التي "تشكل أساس الحكايات التوراتية" و "حكايات العهد القديم". وقد كان للباحث "غريسمان"، وهو تلميذ ويلهاوزن، أثر كبير في انتشار هذه الأفكار، خصوصاً بعد نشره كتابه المهم "نصوص الشرق القديم المتعلقة بالعهد القديم" الذي أثرّ في الفكر اللاهوتي الأوروبي تأثيراً واسعاً، كذلك الباحث "بريتشادر" الذي اشتهر، بعيد الحرب العالمية الثانية، بأبحاثه المتعلقة بالشرق الأدنى القديم، ومنها تاريخ إسرائيل التوراتية القديمة61. ومع هؤلاء، جاء الباحث "إيسفيليت Eissfeldt "   لكي ينقل النقاش حول العهد القديم إلى وجهة أخرى، فالعهد القديم في نظره، "لم يكن تاريخاً تحول إلى خيال، بل خيالاً تحول إلى تاريخ"، إلا أنه يرى أن مرويّات "الأسفار الخمسة الأولى" هي، في أشكالها القديمة، "قصص عن أفراد وتواريخ شعبية كانت، بسبب انتقالها كمرويات شفهية، غير ثابتة، نسبياً، كنص تاريخي أصلي اكتسب تدريجياً، صفة القصص الخيالية"، ولذلك، فهو يرى أنه يمكن اكتشاف "النواة التاريخية" المخبأة في "المرويّات القديمة" المهمة، من خلال "حذف وشطب الإضافات".

أمام هذه "الفرضيات المتبادلة، من اعتبار القصص التقليدية، في الأسفار الخمسة الأولى، تاريخاً تحول إلى خيال، إلى اعتبار الحوادث التي نشأت عنها هذه القصص تعكس تاريخ شعوب الشرق الأدنى القديم" وقف جيل جديد من الباحثين والمؤرخين اعتبر هذه الفرضيات "افتراضات مسبقة، مسلماً بها ولا تناقش"، وهكذا استعادت "الدراسات التاريخية عن الكتاب المقدس واسرائيل القديمة" وهجها السابق المحافظ 62 .

حقق هذا التحول فوائد جمة لصالح تاريخ "اسرائيل القديمة"، إذ استغله الدارسون والمنقبون العاملون لمصلحة هذا التاريخ، في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن، وكان عود الصهيونية قد بدأ يشتد، بعد وعد بلفور وتقسيمات سايكس -بيكو والانتداب البريطاني على فلسطين، فاستفادت من هذا التحول أيما إفادة، وشرع الباحثون الصهاينة يجهدون لتأكيد الحق اليهودي في فلسطين من خلال أبحاثهم الأركيولوجية ومن خلال الحفر والتنقيب الذي أجروه في فلسطين وجوارها، ساعين إلى تأويل كل المعلومات المستجدة لمصلحة أفكارهم التوراتية، ومن أهم هؤلاء، أولبرايت (في الولايات المتحدة)، وألت (في ألمانيا). وقد انتهى هذان الباحثان إلى تأكيد الزعم القائل، مع "ايسفيلت" بأن "المرويات التوراتية ذات أصول تاريخية"، واشترك الاثنان معاً، في السعي "لإعادة تشكيل تاريخ اسرائيل القديم على أساس التقييم النقدي والتوفيق بين الدراسات التوراتية والأركيولوجية المتعلقة بالشرق الأدنى" 63 .

إلا أن "أولبرايت" ورغم ضحالة مفهومه التاريخي (فهو لم يكن مؤرخاً، ولا مفسراً للتوراة، بل كان أثرياً (أركيولوجياً) فحسب، كان أكثر تمسكاً بالمحافظة على تاريخية النص التوراتي من "ألمت" الذي كان أقرب إلى "ويلهاوزن"، بل كان يعتبر خليفة "لماير" أو "غونكيل". وقد أثرت مفاهيم "أولبرايت" على مسار الدراسات التاريخية -الأركيولوجية في اتجاه مغاير تماماً لاتجاهات ويلهاوزن وماير وغونكيل، وهو الذي أسس لأهم النظريات، حول تاريخ أصول إسرائيل، في هذه الحقبة، وانتهى إلى القول "بتاريخية التوراة التي أكدتها الحفريات "معتبراً أن المرويات التوراتية" سردّ تاريخي للماضي" وإن ماذكرته التوراة عن أسلاف إسرائيل كان بصفتهم "أفراداً تاريخيين" و "عرضاً أدبياً" لتلك الشعوب، ومفترضاً، في الوقت نفسه، إنه يكفي، لتثبيت تاريخية الرواية التوراتية، تثبيت بعض تفصيلاتها المهمة عن طريق مصادر غير توراتية، قابلاً، بذلك، تصحيح الروايات التوراتية على ضوء التاريخ 64 . ويؤكد "أولبرايت" كذلك "أساسية تاريخ الإطار التوراتي للحوادث"، إلا أنه، بسبب عدم الوضوح في فهمه لنصوص العهد القديم "لم يقدم، إلا نادراً، ما يعتقده فهماً لواقع الروايات التوراتية" وهذا ما "وسم العديد من أعمال أولبرايت بالسطحية، وأفسح في المجال لقراءتها بتعصبٍ لاهوتي ومسحة أصولية" 65 .

إلا أن نظريات أولبرايت هذه رفضت من قبل العديد من تلامذته أمثال: مندنهال، وغيوس ولوك وماتيوس وآخرين 66 .

لقد جهد "أولبرايت" في كتابه "من العصر الحجري إلى المسيحية" في أن يجد مكاناً مناسباً، في هذه الفترة الزمنية من تاريخ الشرق الأدنى، يمكّنه من إحلال تاريخ إسرائيل القديمة فيه، وبثباتٍ مقنع. وقد استمر، طوال حياته، يسعى لتحقيق هذا الهدف، وقد وفق، في ذلك، إلى حد ما، حيث استطاع أن يحدد "وجود إسرائيل" في فلسطين نحو عام 1200 ق.م "وأن الفتح قد تم أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر ق.م" وقد وافقه العديد من الباحثين، المحافظين وغير المحافظين، على ذلك.

إلا أن محاولات "أولبرايت" للتوفيق بين "البينات التوراتية وغير التوراتية، كإثبات لتاريخانية إسرائيل القديمة، سرعان مادخلت مرحلة الانهيار التي مازالت متواصلة حتى اليوم" 67 .

هذا القول الأخير هو "لطومسون" الذي تحدث، حتى الآن، في كتابه، عن آخرين، دون أن يبرز رأيه بوضوح، حيث أنه ناقش، في الفصول الثلاثة الأولى من كتابه، نظريات عالجت هذا الموضوع قبله.

إلا أن "طومسون" لايلبث أن يبدأ بمعالجة الموضوع من زاويته الشخصية، بعد ذلك، فيبدي فيه رأياً واضحاً وصريحاً، في نقاش جدي لمعظم مرويات العهد القديم، حيث ينتهي إلى رأي مخالف تماماً لرأي "إيسفيلت وأولبرايت" وطغمة المحافظين، إذ يرى في النهاية، أن المرويات ليست سوى "شظايا ذكريات، مكتوبة أو شفهية، سلاسل من القصص، أعمال أدبية معقدة، سجلات إدارية، أغان، حكم نبوية، كلمات مأثورة عن فلاسفة، قوائم وحكايات: كلها اعتبرت ذات معنى ضمن كل مترابط متراكم، جمع ونظم انتقائياً، وفسّر باعتباره ماضياً مبعثراً" 68 .

3-إلا أن الصفعة القاسية والضربة القاصمة التي تلقاها اليهود المحافظون، في هذا المجال، هي تلك التي رماهم بها الباحث الأثري الإسرائيلي البروفسور "زئيف هرتسوغ"، وذلك في مقالة نشرها في جريدة "هآرتس" الإسرائيلية بتاريخ 28/11/1999 واستطاع، من خلالها، أن يثبت أنه "بعد سبعين عاماً من الحفريات الأثرية المكثفة في أرض فلسطين، توصل علماء الآثار إلى استنتاج مخيف: الأمر مختلف من الأساس، فأفعال الآباء هي مجرد أساطير شعبية، ونحن لم نهاجر لمصر ولم نرحل من هناك، ولم نحتل هذه البلاد، وليس هناك أي ذكر لامبراطورية داود وسليمان، والباحثون المختصون يعرفون هذه الوقائع منذ وقت طويل، ولكن المجتمع لايعرف" 69 .

ويستطرد "هرتسوغ" في مقالته هذه، قائلاً: "في السنوات العشرين الأخيرة، حدثت ثورة فعلية في تعامل الباحثين الإسرائيليين مع التوراة بوصفها مصدراً تاريخياً، فمعظم المنشغلين في المداولات في ميدان التوراة، علم الآثار، وتاريخ شعب إسرائيل، الذين كانوا يبحثون، حتى الآن، ميدانياً، عن أي إثباتات لصدقية قصص التوراة، يتفقون حالياً على أن مراحل تشكل شعب إسرائيل كانت مغايرة تماماً للصورة الموصوفة في التوراة..... ومن الواضح للباحثين، اليوم، أن شعب إسرائيل لم يقم في مصر، ولم يته في الصحراء ولم يحتل البلاد بحملة عسكرية، ولم يورثها لأثني عشر سبطاً إسرائيلياً. كذلك أصعب من هذا أن نستوعب حقيقة تتبدى، وهي أن المملكة الموحدة لداود وسليمان، الموصوفة في التوراة كقوة عظمى إقليمية، كانت، في أفضل الأحوال، مملكة قبلية صغيرة" 70 .

بعد كل ماتقدم، أو ليس صحيحاً القول إن "التوراة" بمرويّاتها، أكذوبة كبرى صنع منها اليهود أساساً فكرياً لطرح سياسي يهودي في القرن العشرين، واستطاعوا، من خلال هذا الطرح، أن يقنعوا العالم بأحقية مطالبهم، وذلك بعد أن جعلوا من "العهد القديم" دستور عمل لهم، وحولوه، في نظر العالم أجمع، وخصوصاً نخبته المثقفة والمفكرة، من كتاب يتضمن أساطير وخرافات ومرويات لا يتسع لها خيالٍ ولايقبلها منطق، إلى كتاب تاريخي لايخضع للمناقشة أو الشك والتساؤل. فكان مرتكزاً أصلياً لثقافة صهيونية اعتمدته أساساً فكرياً مهماً لتحقيق حلمها بإقامة دولة لليهود في فلسطين؟

إلا أن هذا "المرتكز" أخذ ينهار بانهيار "الأكذوبة الكبرى". فهل سيظل الكيان الصهيوني، نتاج هذه الأكذوبة، صلباً قوياً كما كان قبل انكشافها؟ الأمر يعود إلى وعي الغرب، وإلى يقظة العرب ووحدتهم.

المصادر والمراجع

- باللغة العربية:

-القرآن الكريم.

-الكاب المقدس: العهد القديم.

-سويد، ياسين، التاريخ العسكري لبني إسرائيل من خلال كتابهم، قراءة جديدة للعهد القديم، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1998.

-النيسابوري، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، أسباب النزول، دراسة وتحقيق السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1986.

-الصليبي، كمال، التوراة جاءت من جزيرة العرب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1985.

-تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي) بهامش القرآن الكريم.

-السيوطي، أبو الفضل جلال الدين، لباب النقول في أسباب النزول، ضبط وتصحيح أحمد عبد الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لات.

-البار، محمد علي، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، بيروت، 1990.

-سبينوزا، باروخ دي، رسالة في اللاهوت والسياسة، تعريب: حسن حنفي، مراجعة: فؤاد زكريا، دار الطليعة، بيروت، 1994.

 -طومسون، توماس، التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي، تعريب: صالح علي سوداح، مكتبة بيسان، بيروت، 1995.

-وايتلام، كيث، إختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني، تعريب: سحر الهنداوي، مراجعة: فؤاد زكريا، سلسلة "عالم المعرفة"، الكويت، عدد 249.

-عثمان، أحمد، تاريخ اليهود، مكتبة الشروق، القاهرة، 1994.

-سويد، ياسين، نحو استراتيجية جادة لعمل عربي موحد، دار النفائس، بيروت، 1996.

-مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وقيادة الجيش اللبناني، القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، بيروت، 1973.

-الدبس، المطران يوسف، تاريخ سوريا الدنيوي والديني، بيروت، 1893.

-بورتر، هارفي، النهج القويم في التاريخ القديم، بيروت، 1884.

- باللغة الأجنبية:

- Gwinn, Robert, and others, the New Encyclopaedia Britannica 15th. Ed. 1974-1990.

-Baigent, Michael, and Leigh, Richard, the Dead sea scrolls deception, Ed Summit books, New-York, 1991.

-Dictionnaire incyclopédique Quillet, Ed. Quillet, France, 1970.

-Herzel, Théodor, LEtat des Juifs, Ed. La Découverte, Paris, 1990.

-Bucaille, Maurice, La Bible, le Coran, et la Science, Ed. Seghers, Paris, 1976.

-Taylor, Alan, Lesprit sioniste, Institut des Etudes Palestiniennes, Beyrouth, 1977.

1 النيسابوري، أبو الحسن، أسباب النزول، ص159. والسيوطي، لباب النقول في أسباب النزول ص80.

2 الصليبي، كمال، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ص15-16

3 النيسابوري، م. ن ص179. وجاء في أسباب أخرى للنزول أن حبرا يهوديا بدينا "خاصم" النبي (أي جادله) فقال له النبي (صلعم): أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ فغضب اليهودي وقال: "والله ما أنزل الله على بشر من شيء" فنزلت هذه الآية (النيسابوري) م. ن. ص. ن، والسيوطي، المصدر السابق ص90)

4 تفسير الجلالين (جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي)، بهامش القرآن الكريم.

5 النيسابوري، المصدر السابق، ص35.

6 النيسابوري، م ن ص 34 والسيوطي م ن ص 10. والأعين: الذي عظم سواد عينيه في سعة (محيط المحيط).

7 تفسير الجلالين، بهامش القرآن الكريم

8 السيوطي،، المصدر السابق، ص 78.

9 النيسابوري، المصدر السابق، ص 96. ولا خلاق لهم: لا نصيب لهم.

10 السيوطي: المصدر السابق، ص 43.

11 البار، محمد علي، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، ص 118-119.

12 م. ن. ص 120.

13 البار، المرجع السابق، ص 144.

14 الكتاب المقدس، العهد القديم، ص 29.

15 م. ن. ص. ن.

16 م. ن. ص 30.

17 م. ن. ص. ن.

18 م. ن. ص 59.

19 م. ن. ص 62.

20 سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ص 238- 239، وانظر م. ن. ص 230-240.

21 م. ن. ص 244.

22 م. ن. ص 246، والكتب المقننة canonique ، وهي الكتب التي اعترفت بها الكنيسة رسمياً، في القرن الرابع الميلادي، على أنها كتب مقدسة (م. ن. ص. ن. حاشية 4).

23 م. ن. ص. ن.

24 م. ن. ص 255.

25 م. ن. ص 256.

26 م. ن. ص 265.

27 م. ن. ص 226.

28 ورد في نسخة الكتاب المقدس، العهد القديم، طبعة الرهبانية اليسوعية الصادرة عن جمعيات الكتاب المقدس في المشرق، دار المشرق، بيروت، 1988، والتي بين أيدينا، وفي سفر التكوين (22: 14): "وسمى ابراهيم ذلك المكان: الرب يرى. ولذلك يقال اليوم: "وفي الجبل، الرب يرى" والمقصود بالجبل: جبل موريا.

29 م. ن. ص 266- 268.

30 م. ن. ص 269، ونود أن نشير هنا إلى أننا تصرفنا في شرح هذه النقطة دون التقيد بما أورده سبينوزا من أمثلة (أنظر سفر تثنية الاشتراع في الكتاب المقدس، العهد القديم الذي اعتمدناه، وقد سبق أن أشرنا إليه).

31 م. ن. ص 270 وقد جاء في سفر القضاة (18: 29): "وسموا المدينة دان، باسم دان أبيهم الذي ولد لإسرائيل، وكان اسم المدينة قبل ذلك، لاييش".

32م. ن. ص 270- 271.

33 م. ن. ص 271، ويشير سبينوزا، في ذلك، إلى أن موسى كتب، بأمر من الرب، عن الحرب ضد العمالقة إذ قال الرب له: "أكتب هذا ذكراً في كتاب" (خر 17: 14)، كما يشير إلى سفر يسمى "حروب الرب" ورد ذكره في سفر العدد حيث جاء: "ولذلك يقال في كتاب حروب الرب" (عد21-14)، وإلى سفر آخر يسمى "سفر العهد" ورد ذكره في سفر الخروج، حيث جاء "وأخذ كتاب العهد فتلاً على مسامع الشعب فقال:.... " (خر 24: 7)، وإلى سفر ثالث يسمى "توراة الله" ورد ذكره في سفر التثنية حيث جاء: "وكتب موسى هذه الشريعة وسلمها إلى الكهنة بني لاوي... وسائر شيوخ إسرائيل" (تث 31: 9). ثم أضاف إليه يشوع، بعد ذلك بمدة طويلة، رواية العهد الذي قطعه الشعب (بنو اسرائيل) على نفسه من جديد، في أيامه، (م. ن. ص 272). حيث جاء في سفر يشوع (24: 25- 26): "فقطع يشوع للشعب عهداً في ذلك اليوم، جعل لهم فريضة وحكماً في شكيم، وكتب يشوع هذا الكلام في سفر توراة الله".

34 ورد ذكر سفر العهد الثاني في "تثنية الاشتراع"، حيث جاء: "يقطع الرب الهك معك اليوم..." حتى "على حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في سفر هذه الشريعة" (تث 29 : 11- 20). (أنظر النص بكامله في سفر تثنية الاشتراع).

35 م. ن. ص 273.

36 م. ن. ص 274- 277.

37 البار، المرجع السابق، ص 152- 154.

38 Encyclopaedia Britannica T2, PP. 194- 196 (Bible)

39 Ibid, T24, P. 374 (Moses)

40 Ibid, T2, P. 194 (Bible)

41 Encyclopèdie Quillet, P. /723. (Bible)

42 Ibid, P. 724 M Bible.

43 Ibid.

44 Bucaille, M, La bible, Le Coran, et la la Science, PP. 23, 25.

- إلوهية ( Elohiste) من "إلوهيم" "  Elohim اسم عبري هو أحد أسماء الله في الكتاب المقدس، ويميز هذا الاسم بعض المقاطع في الأسفار الخمسة حيث يسمى الله (إلوهيم)، وقد انتشر في مملكة الشمال (إسرائيل) في القرن الثامن ق. م. ( Encyclopédie Quillet: Elohim) وتسمى تلك الوثائق أيضاً: الوثائق السامرية، أو النص السامري، نسبة إلى "السامرة" عاصمة مملكة إسرائيل.

- يهوية ( Yahviste) : من "يهوه YAHWEH OU YAHVé وهو أحد أسماء اللَّه في الكتاب المقدس. وقد انتشرت هذه التسمية في مملكة الجنوب (يهوذا) في القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد. و "اليهويه" هي إحدى الوثائق الأربع في الأسفار الخمسة (التوراة).

وتتحدث عن تاريخ إسرائيل في بداياته، وعن طبيعة البشر ونشاط الآباء الأولين حتى موسى، حيث تتحدث عن دوره ( Encyclopédie Quillet: Yahavé) .

- أستروك، جان ( Jean Astruc) : 1684-1766 ، فرنسي، طبيب لويس الخامس عشر كان أستاذاً في "كلية فرنسا College de france "   وكلية الطب بباريس، ألف كتباً في الطب واللاهوت ( Encyclopedie Quillet) .

- لودز، أدولف ( Adolphe Lods) : 1867-1984 ، فرنسي، عضو في "المؤسسة L'Institut "   باحث آثار وعالم بالعبرية، كتب كتاباً بعنوان: "إسرائيل من بداياتها حتى منتصف القرن الثامن الميلادي "  Ysrael, Des origins au milieu du VIIIe S" وكتاباً آخر بعنوان: "التقليد في تأليف كتب العهد القديم".

"  La tradition dans la formation des Livres de I'ancien tistment" (Encyclop. Quillet).

- كارلستادت ( Karlstadt ): فون رودولف أندريا لوثر بودنشتاين: 1480- 1541 Anderea Rodulf Bodenstein, Von ، إصلاحي ألماني، صديق لوثر، إلا أن هذا الأخير أنكره بسبب كتاباته النقدية العنيفة. ( Encyclop. Britannica, T6, P. 745) .

- ريتشارد سيمون ( R. Simon) : 1638- 1712 ، راهب فرنسي، مفسر للكتاب المقدس، ومتخصص في العلوم العبرية، وهو أول من درس الكتاب المقدس دراسة نقدية، ظهر ذلك في كتابه المشار إليه في المتن والذي نشر عام 1678، وقد طرد من الرهبنة بسبب هذا الكتاب ( Encyclop. Quillet).

- ديفو: ( Devaux) 1903- 1971 ، فرنسي، درس اللاهوت، كما درس اللغتين العربية والآرامية، ودخل في رهبانية الدومينيكان عام 1929، حيث أوفدته إلى مدرسة الكتاب المقدس ( Ecole Biblique) في أورشليم. أسهم في وضع "الكتاب المقدس الأورشليمي La bible de jerusalem" .

- حاضر في مدرسة الكتاب المقدس، عام 1934 حتى عام 1945 ثم عين مديراً لهذه المدرسة من عام 1945 حتى عام 1965.

- أصدر مجلة باسم "مجلة الكتاب المقدس La Revue Biblique "   من عام 1938 حتى عام 1953.

- سمي رئيساً لفريق الدراسة لمخطوطات البحر الميت عام 1953.

- ألقى محاضرات نشرت عام 1961 بعنوان "علم الآثار ومخطوطات البحر الميت" ترجمت إلى الانكليزية.

- لم يعترف في حياته بإسرائيل، وكان يسميها دائماً "فلسطين" وكان رئيساً لمجلس أمناء متحف روكفلر في القدس، وهو المتحف الذي يحتفظ بالمخطوطات.

- متهم من قبل إسرائيل بمعاداة السامية ( Baigint, Michael and leigh, Richard, The Dead sea Scrolls deception, P. 27).

45 Bucaille, OP. Cit. pp. 25- 26.

46 Ibid, pp. 24 et 26.

47 عثمان، أحمد، تاريخ اليهود، جـ 2: 38- 39. وانظر كتابنا "التاريخ العسكري لبني اسرائيل من خلال كتابهم، قراءة جديدة للعهد القديم"، جـ 2: 306- 324.

48 Hertzel, théodor, I'Etat des Juifs, PP. 43- 47 et 102. وانظر كتابنا "نحو استراتيجية جادة لعملٍ عربي موحد" ص 17.

49 مؤسسة الدراسات الفلسطينية وقيادة الجيش اللبناني، القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني، ص 51.

50 Taylor, Alan, L'Esprit sioniste, P. 56.

51 انظر كتاب "اختلاق اسرائيل القديمة، إسكات التاريخ الفلسطيني، تأليف، كيث وايتلام، ترجمة: د. سحر الهنداوي.

52 انظر: تاريخ سوريا، الدنيوي والديني، للمطران يوسف الدبس (9 أجزاء) والنهج القويم في التاريخ القديم لهارفي بورتر (بالعربية)، وغيرهما.

53 وايتلام، كيث، إختلاف اسرائيل القديمة، إسكات التاريخ الفلسطيني، ترجمة: د. سحر الهنداوي، ص 36.

54 م. ن. ص 41.

55 م. ن. ص. 74- 76.

56 م. ن. ص. 207.

57 م. ن. ص. 203.

58 م. ن. ص. 344- 345. ويذكر المؤلف من المساعدات كذلك: تفكك الاتحاد السوفياتي، والجدل الدائر حول وحدة أوروبا ومستقبلها.

59 مرّ معنا ذكر هذه المصادر وهي: الوثائق اليهودية، والوثائق الإلوهية، والتثنية، والقانون الكنهوتي.

60 طومسون، التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي، تعريب لصالح علي سوداح، ص 9-10.

61 م. ن. ص 12- 13.

62 م. ن. ص 13-15.

63 م. ن. ص. 15- 16.

64 م.ن.ص 16-18

65 م.ن.ص 19-20

66 م.ن.ص 21-22

67 م.ن.ص 23-25

68 م.ن.ص 292.

69 جريدة السفير بتاريخ 1 تشرين الثاني /نوفمبر عام 1999، ص 15.

70 م.ن.ص ن.