مقدمة:
يبدو الكلام
“الاسرائيلي” على الاستعداد للانسحاب من 95 في
المئة من الضفة الغربية وقطاع غزة
مغريا. هذه مساجلة، على حلقتين، ضد هذا التقدير.
منذ انهارت محادثات
كامب ديفيد الاخيرة والدعاوى “الاسرائيلية”، ومعها قطاع واسع من الاعلام
الغربي، تحمل الفلسطينيين مسؤولية هذا الانهيار وما لحقه من صراع دموي. فيقال ان
ايهود باراك ذهب ابعد من أي زعيم “اسرائيلي” قبله، بل وابعد مما يمكن أي زعيم
“اسرائيلي” ان يذهب، فعرض على الفلسطينيين
اعادة اكثر من 90 في المئة من ارض الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن الجانب الفلسطيني
قابل هذا الكرم “الاسرائيلي” بالجحود والرفض. ويقال ايضا ان
الصراع الحالي مؤسف بشكل خاص لان الشقة ما بين الموقفين “الاسرائيلي” والفلسطيني لم تكن في يوم من
الايام اقرب لما هي اليوم. ولا يمل رئيس الوزراء “الاسرائيلي” السابق ووزير التعاون الاقليمي
الحالي، شيمون بيريز، من ترداد ان الخلاف يقتصر على ما نسبته 2 الى 3 في المئة من
الاراضي.
من جهة اخرى، في
احيان كثيرة يصور الاعلام الفلسطيني
والعربي الخلاف على انه فحسب خلاف على السيادة على الحرم الشريف / المسجد الاقصى.
كما بدأت بعض الاوساط الفلسطينية تبدي استعدادا للدخول في لعبة النسب المئوية. ولعل
اوجز
واصرح تعبير من هذا
التوجه جاء على لسان الاستاذ جهاد الخازن (الحياة، 20 تشرين الثاني ـ نوفمبر)، فهو
بعد ان يخبرنا انه تحادث هاتفيا مع السيد محمود عباس (ابومازن) في غزة، يمضي الى
القول: "ربما كان اكبر انجاز للانتفاضة هو انها ثبتت بعض الخطوط الحمر. فمستقبل
الحرم الشريف لن يكن بيدي “اسرائيل”… والانسحاب لن يكون من 80 في المئة
او 90 في المئة من الارض، فالنسبة التي فرضتها الانتفاضة هي 95 في المئة من الارض
في الضفة الغربية، وتبادل الطرفان الخمسة في المئة الباقية، فتحتفظ “اسرائيل” بكتلة مستوطنات في الضفة، ويحصل
الفلسطينيون على ارض في مقابلها لتوسيع قطاع غزة".
ترمي هذه المقالة الى المحاججة اولا ان
الموقف “الاسرائيلي” يتسم بقدر كبير من التماسك
الاستراتيجي وانه كان منذ احتلال الضفة والقطاع ولا يزال يثوم على استمرار السيطرة
“الاسرائيلية” على الارض ومواردها مع منح السكان
قدرا من الحكم الذاتي المحدود. وترمي ثانيا الى المحاججة ان قضية القدس اكبر واعقد
من ان تختزل الى مسالة السيادة على الحرم الشريف، على اهمية هذه المسألة نظرا
للمكانة الفريدة التي يحتلها الحرم في قلوب الناس ونظام قيمتهم في فلسطين وفي ما
عداها من الاقطار العربية والاسلامية. كما ستذهب هذه المقالة ثالثا الى ان من
الممكن لـ “اسرائيل” ان "تتخلى" للسلطة الفلسطينية عن
95 في المئة من اراضي الضفة وتظل مع ذلك مسيطرة فعليا على الارض ومصائر سكانها.
هكذا نود ببساطة القول ان القبول ببقاء الكتل الاستيطانية وآليات السيطرة
“الاسرائيلية” الاخرى يعني في واقع الامر القبول
بمجرد الادارة الذاتية للسكان مهما كانت عظمة وفخامة التسمية التي يمكن ان تطلق على
نظام الادارة هذا.
يبدو، على الاقل من
منظور التجربة، ان ادراك معسكر السلام الفلسطيني والعربي (وكاتب هذه السطور ينتمي
اليه) للعملية السلمية يقوم على قدر كبير من سوء الفهم. فقد جرى النظر الى هذه
العملية والتعامل معها على انها اما تستهدف مصالحة تاريخية او على الاقل حلا للقضية
الفلسطينية ترسي دعائمه على قسط من العدل. وحصل من قبيل التعلل بالآمال تحوير بل
تحريف للمصطلحات والمدلولات، لعل ابرز تعبير عنه كان الحديث الدائب عن مفاوضات
"الحل النهائي" بكل ما تعنيه كلمة "حل" من ازالة للظلامات واشباع للمطامع المشروعة،
فيما كانت وثائق العملية السلمية كلها تتحدث عن "ترتيبات الوضع النهائي" بكل ما
تشير اليه كلمة "ترتيبات" من تجريبية وواقعية سياسية بل الى علاقات القوى واليات
الضبط والتحكم.
اما “اسرائيل” من جهتها فلم تكن بصدد مصالحة،
فكيف بمصالحة تاريخية، ولا حتى بصدد حل يقوم على اعتراف بالحيف التاريخي الذي لحق
بالفلسطينيين ومحاولة رفع هذا الحيف جزئيا. والحق ان موقف “اسرائيل” كان لا يزال يقوم على نظرة
احتقارية للفلسطينيين. فهم، أي الفلسطينيون، يحترفون الهزيمة بامتياز من 1936 الى
1948 الى 1967 الى 1982 وصولا الى حلول الوهن بالانتفاضة الاولى بحلول عام 1990.
وبما ان الفلسطينيين يمتازون بقصر النظر وضيق الافق فانهم لا يتركون فرصة لاضاعة
الفرص الا وانتهزوها فيأبون الاعتراف بهزائمهم المتلاحقة وانقاذ ما يمكن انقاذه من
ركام وجودهم. وما العملية السلمية من وجهة النظر “الاسرائيلية” الا الاطار الذي سيتم من خلاله
رويدا رويدا دفع الفلسطينيين، او على الاقل قيادتهم الى الاعتراف بهزيمتهم
التاريخية ودفع ثمنها كاملا. ولم يكن دهاقنة السياسة الشرق اوسطية في الخارجية
الامريكية (روس، انديك، كيرتزر، ميلر) بعيدين عن وجهة النظر هذه، فهم يرون ان عددا
من الظروف (تداعيات حرب الخليج والخلافات العربية ـ العربية، انهيار الاتحاد
السوفياتي، ضعف منظمة التحرير الفلسطينية) قد تضافر ليجعل الوقت مناسبا كي تحصل
“اسرائيل” على المكاسب السياسية والاقتصادية
التي تؤهلها لها انتصاراتها العسكرية المتلاحقة. ولم يكن غرض هؤلاء يتعدى اقناع
“اسرائيل” بان من مصلحتها جني هذه المكاسب
قبل ان تتغير الظروف وان عليها في سبيل ذلك ان تبدي بعض المرونة التكتيكية.
الواقع ان الموقف
“الاسرائيلي” (بدعم من الولايات المتحدة بالطبع)
يتسم بقدر كبير من التماسك والثبات الاستراتيجيين. فمنذ احتلالها الضفة والقطاع عام
1967 واسرائيل تصر على ان مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة لن يقوم الا على اساس
"الحكم الذاتي للسكان" مع احتفاظ “اسرائيل” بالسيطرة على الارض ومواردها. اما
القدس فستظل العاصمة الموحدة لـ “اسرائيل” ولا سيادة لاحد غير “اسرائيل” على أي جزء منها.
وقد كان لـ
“اسرائيل” ما ارادت في اتفاقات كامب ديفيد
الاولى. فقد نصت اتفاقية اطار السلام في الشرق الاوسط بين مصر واسرائيل التي وقعت
في 17 ايلول (سبتمبر) 1978 على ما ياتي في ما يتعلق بالضفة الغربية وغزة:
1ـ ستشارك مصر
واسرائيل والاردن وممثلو الشعب الفلسطيني في مفاوضات لحل المشكلة الفلسطينية في
اوجهها كافة. وللتوصل الى هذا الهدف، ستمر المفاوضات بشان الضفة الغربية وغزة
بمراحل ثلاث:
أ ـ… ستكون هناك ترتيبات انتقالية للضفة
الغربية وغزة لمدة لا تزيد على خمس سنوات، وكي يعطى السكان حكما ذاتيا كاملا،
ستنسحب الحكومة العسكرية “الاسرائيلية” وادارتها المدينة حالما ينتخب سكان
هذه المناطق بحرية سلطة حكم ذاتي للحول محل الحكومة العسكرية القائمة.. وينبغي ان
تأخذ هذه الترتيبات الجديدة بالاعتبار اللازم وفي آن معا مبدأ الحكم الذاتي لسكان
هذه المناطق والاهتمامات الامنية المشروعة للاطراف المعنية.
ب ـ … وسيكون هناك انسحاب للقوات المسلحة
“الاسرائيلية” واعادة انتشار للقوات “الاسرائيلية” الباقية الى مواقع عسكرية محددة.
وستتضمن الاتفاقية ترتيبات لضمان الامن الداخلي والخارجي والنظام العام.
ج ـ … وعندما تقام سلطة الحكم الذاتي في
الضفة الغربية وغزة، ستبدأ فترة انتقالية مدتها خمس سنوات. وفي اقرب وقت ممكن لا
يتعدى نهاية السنة الثالثة من المرحلة الانتقالية، ستبدأ محادثات لتقرير الوضع
النهائي للضفة الغربية وغزة…
2 ـ ستتخذ
الاجراءات والخطوات الضرورية كافة لضمان امن “اسرائيل” وجيرانها خلال الفترة الانتقالية
وما بعدها. وللمساعدة على ضمان امن كهذا، ستشكل سلطة الحكم الذاتي شرطة محلية قوية
من سكان الضفة الغربية وغزة.
3 ـ خلال الفترة
الانتقالية، سيشكل ممثلون عن مصر واسرائيل والاردن وسلطة الحكم الذاتي لجنة دائمة
تحدد بالاتفاق كيفيات السماح بدخول الاشخاص الذين اجلوا عن الضفة الغربية وغزة عام
1967.
4 ـ ستعمل مصر
واسرائيل معا ومع الاطراف المعنية الاخرى لتحديد اجراءات متفق عليها لتنفيذ حل
مشكلة اللاجئين تنفيذا سريعا وعادلا ودائما.
اما "معاهدة السلام
بن مصر واسرائيل" التي وقعت في 26 آذار (مارس) 1979 فلم تتطرق في متنها الى الضفة
الغربية وغزة، لكن رسالة مشتركة ملحقة بها موجهة من مناحيم بيغن نيابة عن حكومة
“اسرائيل” وانور السادات نيابة عن حكومة
جمهورية مصر العربية الى الرئيس الاميركي جيمي كارتر اعادت التذكير باتفاقات كامب
ديفيد. والزمت مصر واسرائيل الدخول في مفاوضات غرضها "اقامة سلطة ذاتية الحكم في
الضفة الغربية وغزة كي يمنح الحكم الذاتي الكامل للسكان". واضافت الرسالة انه سيجري
"انسحاب الحكومة العسكرية “الاسرائيلية” وادارتها المدنية لتحل محلها سلطة
الحكم الذاتي... وعندئذ سيتم انسحاب للقوات المسلحة “الاسرائيلية” وستكون اعادة انتشار للقوات
“الاسرائيلية” المتبقية الى مواقع امنية محددة".
هل تذكرنا هذه النصوص بامر احدث عهدا؟ بالطبع!! انها تكاد تطابق حرفيا النصوص
والترتيبات والاجراءات التي تم الاتفاق عليها في اتفاقيتي اوسلو الاولى والثانية
بين “اسرائيل” ومنظمة التحرير: من المرحلة
الانتقالية ذات السنوات الخمس، الى التعهد بالدخول الى مفاوضات لتحديد الوضع
النهائي في مدة لا تتعدى نهاية السنة الثالثة من المرحلة الانتقالية، الى ضرورة
انشاء قوة شرطة قوية لضمان امن “اسرائيل”، الى اللجنة الرباعية الدائمة لبحث
عودة نازحي 1967.
على ان الاهم من
هذه التطابقات ما بين كامب ديفيد الاولى واتفاقيتي اوسلو في العقد الاستراتيجي. فمن
الواضح ان هذا العقد في الحالين كليهما لم يكن الانسحاب “الاسرائيلي” الكامل، بل، فحسب، انسحاب الحكومة
العسكرية “الاسرائيلية” وادارتها المدنية، اضافة الى
"انسحاب" للقوات العسكرية “الاسرائيلية” من المراكز السكانية واعادة
انتشارها الى "مواقع امنية محددة" تضمن لها السيطرة الفعلية على الارض كلها. وفي
حين ان اتفاقات كامب ديفيد حددت بوضوح ان نهاية المطاف هي "الحكم الذاتي للسكان"،
فان اتفاقيتي اوسلو الزمتا السلطة الفلسطينية سلسلة من العلاقات والارتباطات
والترتيبات جعلت "الحكم الذاتي للسكان" السقف الاعلى لاي تطور لهذه السلطة ضمن اطار
هاتين الاتفاقيتين وما تلاهما من بروتوكولات قائمة عليهما.
ولم يكن اختيار
كامب ديفيد لاجراء المحادثات "النهائية" حول ترتيبات الوضع النهائي ووضع ترتيبات
لوجستية لعمليات التفاوض تشبه الى حد بعيد ترتيبات محادثات كامب ديفيد الاولى مجرد
مصادفة، على ما يبدو. فقد تبين من مجمل المقترحات التي وضعت على المائدة انه كان
يجري الدفع لمحادثات كامب ديفيد الثانية باتجاه تحقيق العقد الاستراتيجي لكامب
ديفيد الاولى: السيطرة “الاسرائيلية” الفعلية على الارض ومواردها
والاقتصار على منح الادارة الذاتية للسكان. وما بين اوسلو وكامب ديفيد الثانية كان
تعلق الشعب الفلسطيني بحلم الاستقلال من جهة وعشق القيادة الفلسطينية لمظاهر السلطة
من جهة اخرى قد اصبحا عاملين لا بد من اخذهما بالحسبان فقدمت “اسرائيل” والولايات المتحدة "تنازلا" يسمح
للفلسطينيين بان يطلقوا على الادارة الذاتية المحدودة للسكان اسم "دولة" اذا ارادوا
ويتبدى ثبات “اسرائيل” على مواقفها ايضا في انها، على رغم
كل جولات المفاوضات والمحادثات منذ كامب ديفيد الاولى، لم تتزحزح قيد شعرة في ما
يتعلق بمسائل ثلاث بالغة الاهمية، هي القدس وايقاف النشاط الاستيطاني ومدى انطباق
قرار مجلس الامن 242. ففي ما يتعلق بالقدس جرى الاتفاق في محادثات كامب ديفيد
الاولى على ان يحتفظ كل من الطرفين “الاسرائيلي” والمصري بموقفه من هذه المسألة،
فوجه الرئيس السادات رسالة الى الرئيس الاميركي كارتي قال فيها ان "القدس العربية
جزء لا يتجزأ من الضفة الغربية وان الحقوق التاريخية والقانونية العربية في المدينة
ينبغي ان تحترم وتستعاد، وان القدس العربية يجب ان تكون تحت السيادة العربية". وفي
المقابل، وجه بيغن رسالة الى كارتر قال فيها "ان حكومة “اسرائيل” شرعت في تموز (يوليو) 1967 ان
القدس مدينة غير قابلة للقسمة وانها عاصمة دولة “اسرائيل”". وبالطبع ترك هذا الاتفاق على
الاختلاف المدينة المقدسة تحت السيطرة “الاسرائيلية” الكاملة الى اجل غير مسمى. وجاءت
اتفاقيتا اوسلو لتكرسا هذا النهج بتركهما مسألة القدس معلقة حتى محادثات الوضع
النهائي. وفي محادثات كامب ديفيد الثانية جرت محاولة لفرض السيطرة “الاسرائيلية” الكاملة على المدينة وضعا نهائيا
ملزما للطرفين. وعندما انهارت المحادثات كلها حول هذه المسألة بالذات، عدنا نسمع في
“اسرائيل” والولايات المتحدة من يشير الى
الحكمة تقتضي التوصل الى اتفاق حول باقي المسائل وترك مسالة القدس جانبا فترة مديدة
اخرى. اما في ما يتعلق بايقاف النشاط الاستيطاني خلال المحادثات الانتقالية، فقد
رفضت “اسرائيل” ان تتضمن اتفاقات كامب ديفيد
الاولى أي نص بهذا المغنى، فتم التوصل الى تفاهم على ان بيغن سيرسل رسالة الى كارتر
يتعهد فيها تجميد الاستيطان. ولكن بعد توقيع الاتفاقات فشل كارتر في الحصول على هذه
الرسالة على رغم انه حاول ذلك مرارا عدة واتخذت “اسرائيل” الموقف نفسه في المحادثات التي
افضت الى اتفاقيتي اوسلو، فجاءت هاتان خلوا من أي نص على ايقاف الاستيطان. اما
المادة 31 (7) من اتفاقية اوسلو الثانية التي تنص على "ان ايا من الطرفين لن يبادر
الى او يقوم بخطوات تبدل وضعية الضفة الغربية وقطاع غزة بانتظار نتيجة مفاوضات
الوضع النهائي" فقد فسرتها “اسرائيل” على انها لا تحظر النشاط
الاستيطاني، بل تغير الوضع القانوني، كذلك اصرت “اسرائيل” في محادثات كامب ديفيد الاولى على
ان نص الاتفاقات يجب ان يصاغ حيث لا يلحق ضررا بدعوى “اسرائيل” ان قرار مجلس الامن 242 لا ينطبق
على الضفة الغربية وغزة. ومرة اخرى كان لها ما ارادت وجرى تعديل المسودة الاميركية
نزولا عند رغبة “اسرائيل” وظلت “اسرائيل” على موقفها هذا منذ ذلك الحين
وقامت بتوكيده عشية كامب ديفيد الثانية عندما اصدر المدعي العام “الاسرائيلي” الياكيم روبنشتاين "رأيا قانونيا"
مفاده ان 242 لا ينطبق على الضفة وغزة لانه معني بالدول وهما لم تكون دولة حين
صدرا.
فاوض
… واستبق
لم تكتف
“اسرائيل” بالطبع بفرض ارادتها على الاتفاقات
والبروتوكولات والتفاهمات، بل وهذا هو الاهم، قامت بفرض ارادتها عن طريق ايجاد
حقائق على الارض باستمرار منذ الاحتلال عام 1967. واذا كانت الانتفاضة الاولى قد
عطلت الى حد ما عملية فرض الحقائق فان "الهدنة" التي نجحت عن عملية اوسلو مكنت
“اسرائيل” من مسارعة هذه العملية اضعافا عدة.
هكذا نجد انها منذ ايلول (سبتمبر) 1993 قامت من بين اشياء اخرى بما يأتي:
ـ اقامت 30 مستعمرة
جديدة، من بينها مدن كاملة مثل كريات سيفير وتل صهيون وبنت 90 الف وحدة سكنية جديدة
في القدس الشرقية والمستعمرات ككل. ومن المهم اهمية حاسمة انها قامت خلال هذه
الفترة بادماج المستعمرات الصغرى بعضها ببعض وتعزيزها حيث اصبحت كتلا استعمارية
يعيش في كل منها ما يزيد على 50 الف مستعمر. وهذه الكتل تسيطر على المعابر
الاستراتيجية في الضفة مما يشكل فعلا تقطيعا لاوصال المناطق الفلسطينية ويحول دون
اتصالها الجغرافي بعضها ببعض.
ـ ضاعفت عدد السكان
المستعمرين خلف حدود 1967 الى اكثر من 400 الف نسمة، نحو 200 الف منهم في منطقة
القدس ونحو 200 الف آخرين في باقي الضفة الغربية (عندما تورد المصادر “الاسرائيلية” عدد المستعمرين على انه نحو 180
الف نسمة، فانها تستثني عمدا المستعمرين في منطقة القدس على اساس ان هذه المنطقة قد
ضمت الى “اسرائيل” وليست من "المناطق" التي يجري
البحث في مستقبلها). وهناك اضافة الى ذلك نحو 6 آلاف مستعمر في قطاع غزة وهؤلاء
يسيطرون على 25 في المئة من ارض القطاع بما في ذلك غالبية الساحل.
ـ باشرت بناء نحو
480 كيلومترا من الطرق الرئيسية والطرق الانتقالية التي تصل المستعمرات بعضها ببعض
وبـ “اسرائيل”، في الوقت الذي تجزئ المناطق
الفلسطينية وتحولها الى بقع صغيرة غير متصلة وتعطل حركة مرور الفلسطينيين.
ـ صادرت نحو 200
كيلومتر مربع من الاراضي الزراعية واراضي الرعي من اصحابها الفلسطينيين الافراد،
لضمها الى المستعمرات ولانشاء الطرق، اضافة الى مساحات شاسعة من الاراضي الاميرية
والمملوكة جماعيا.
ـ قامت باقتلاع نحو
100 شجرة زيتون وثمار بحجج متعددة تهدف في نهاية الامر الى نزع ملكية الاراضي من
اصحابها.
ـ هدمت اكثر من
1200 بيت فلسطيني.
من الواضح ان
“اسرائيل” لا تريد ضم ثلاثة ملايين فلسطيني
يعيشون في الضفة والقطاع بمنحهم الجنسية. وفي الوقت ذاته فانها توصلت بالخبرة
المباشرة وخصوصا عبر تجربتها مع الانتفاضة الاولى الى قناعة ان احتلال المراكز
السكانية والاخضاع المباشر للسكان بالغا الكلفة. فكان ان طورت بالممارسة شبكة تحكم
تتيح لها ترك السكان يديرون شؤونهم الذاتية بينما تظل هي تهيمن على مصائرهم وتسيطر
فعليا على البلاد ومواردها ولا يقتضي الامساك بشبكة التحكم هذه الاحتلال المباشر
للارض جميعها ولا حتى للجزء الاكبر منه، اذ يكفي لذلك السيطرة على العقد
الاستراتيجية وتشغيل آليات للضبط والحجر.
وليست شبكة السيطرة
هذه احادية المستوى، بل هي تتشكل من عدد من المستويات التي تتراكب لتشكيل بنية
تراتبية محكمة. لكن المستوى الحاسم هو مستوى السيطرة الفيزيائية الذي يتشكل بدوره
من ثلاثة مستويات فرعية هي مستوى الارض ومستوى الطرق والحدود والمعابر ومستوى
البنية التحتية.
اما على مستوى
الارض فتلعب المستعمرات الدور الاهم. واذا كانت “اسرائيل” تؤكد حتى الان انها لن تخلي ايا م
المستعمرات الصغيرة المتناثرة في كل مكان من الضفة والقطاع وانها يمكن ان تعترف
بالسيادة الفلسطينية الاسمية عليها، بينما تحتفظ هي بالسيطرة عليها مدة طويلة من
الزمن او حتى غير محدودة، الا انه يمكن تصور وضع تقبل فيه اخلاء هذه المستعمرات
الصغيرة بموجب تسوية. ولذا فاننا سنقصر بحثنا هنا على الكتل الاستعمارية التي تصر
“اسرائيل” على انها لن تتخلى عنها ابدا في أي
حال من الاحوال.
وهنا تحتل القدس
اهمية مفصلية. فلقد عمدت “اسرائيل” فور الاحتلال الى ضمها وفي الوقت
ذاته وسعت حدود البلدية "الموحدة" لتصبح مساحتها 108 كيلومترات مربعة، منها 38 هي
مساحة القدس الغربية والباقي (70) من الاراضي المحتلة عام 1967، معظمها (63.5) يشمل
قرى فلسطينية مع اراضيها. هكذا اصبحت حدود البلدية تضم الولجة وشرفات وبيت صفاف
وصور باهر والسوامر الشرقية وجبل المكبر وسلوان والطور ووادي الجوز والشيخ جراح
وشعفاط، اضافة الى ما اصبح يسمى "اصبع القدس"الذي يمتد شمال ليضم منطقة قلنديا (من
المخيم) الى مشارف كفر عقب ورام الله / البيرة. ومن الواضح ان تخطيط حدود البلدية
جرى حيث يمكن ضم اكبر مساحة ممكنة من الاراضي باقل عدد من السكان. ومنذ الضم عام
1967، عمدت “اسرائيل” الى بناء طوق داخلي من المستعمرات
اهمها جيلو وجفعات هامتوس وحارهوما (جبل ابوغنيم) وطالبيوت (الطالبية) الشرقية
وجفعات شابيرا وجفعات مفتار ورامات اشكول وريخيس شعفات وراموت وبيسجان عوفر وبيسجات
زئيف ونيفية ياكوف (النبي يعقوب) وعلماروت (قلنديا)، اضافة الى مستعمرات صغيرة
اهميتها انها تقع في قلب المناطق السكنية العربية (راس العامود، الشيخ جراح، سلوان)
ونتيجة لهذا التوسع الاستعماري اصبح عدد السكان اليهود في القدس الشرقية الموسعة
اكبر من عدد السكان العرب بما يزيد على 200 الف نسمة (نحو 430 الف يهودي في مقابل
200 الف عربي).
وفي عام 1995 (أي
بعد اوسلو) وضعت خطة القدس الكبرى Greater
Jerusalem وتضم ضمن
حدودها القدس البلدية اضافة الى طوق خارجي من المستعمرات من بينها بيت هورون وجفعات
زئيف والمون وكفار ادوميم والون وقسبيه اريحا (التي تكاد تحاذي نهر الاردن) ومعاليه
ادوميم وكيدار وبيتار ومستعمرات عسقيون. وتخطط “اسرائيل” لزيادة عدد سكان هذا الطوق الخارجي
الى 250 الف نسمة مع نهاية العقد الجاري.
اما حاضرة القدس
Metropolitan
Jerusalem فتمتد من بت شميش في الغرب (داخل حدود 48)
عبر مستعمرات كريات سيفير لتضم قريتي بيت عور وعين عريك ثم دينة رام الله / البيرة
ومستعمرات بيت ايل وبساغوت وكوخاف ياكوف وقرية دير دبوان ومستعمرتي معاليه مخماس
وادم ثم تتجه جنوب شرق عبر معاليه ادوميم وقسبيه اريحا ثم جنوب غرب لتضم قرى
العبادية والشواوره والزعاتره وبيت ساحور وبيت جالا ومدينة بيت لحم لتتجه من ثم
غربا مرة اخرى الى مستعمرتي بيتار وصور هداسا ليكتمل الطوق ثانية في بيت شميش.
وربما كانت
“اسرائيل” تهدف من ادماج مناطق فلسطينية آهلة
ضمن حاضرة القدس لتسهيل "حل" مسألة القدس بان تفرض على الفلسطينيين ان تكون لهم
قدسهم (رام الله/البيرة، بيت لحم/ بيت جالا/ بيت ساحور) ويكون لها ما تبقى. غير ان
الاهم هو ان عملية الادماج هذه ترمي الى ضمان الا تتمتع هذه المناطق بغير الادارة
الذاتية للسكان مهما كانت التسميات. فحتى لو تم رسم حدود تفصل رام الله/ البيرة
وكذلك بيت لحم/ بيت جالات بيت ساحور فان هاتين المنطقتين العربيتين ستظلان عمليا
جزءا من حاضرة القدس “الاسرائيلية”، ملحقتين اقتصاديا بالمناطق
اليهودية الاكثر دينامية وحركية وتعتمدان في نموهما وتطورهما على ما تخططه السلطات
“الاسرائيلية” لحاضرة القدس ككل. فعلى سبيل
المثال، يجري حاليا بناء منطقة صناعية “اسرائيلية” جنوب شرقي رام الله تستهدف ادماج
مستعمرات بيت ايل وعوفره وبساجوت وكوخان ياكوف ومعاليه مخماس وادم في اقتصاد القدس،
لكن من الواضح ان تستهدف ايضا الحد من احتمالات نمو رام الله / البيرة اقتصاديا
بشكل مستقل.
هكذا فان احتفاظ
“اسرائيل” بالسيطرة على حاضرة القدس سيضمن
لها الهيمنة على القطاع الاوسط من الضفة الغربية باكمله وفصل شمال الضفة عن جنوبها.
واذا كانت الولايات المتحدة اقترحت خلال محادثات كامب ديفيد بناء معبر يصل بيت لحم
برام الله ، فان معبرا كهذا لن يغير من حقيقة الفصل الجغرافي شيئا، اضافة الى انه
سيكون تحت رحمة “اسرائيل”.
من الاهمية بمكان
في هذا الصدد، ان نعيد التأكيد ان “اسرائيل” ليست بحاجة كي تحقق هذه الهيمنة
وهذا الفصل الجغرافي الى ضم غير نسبة مئوية صغيرة نسبيا من اراضي الضفة. فعلى رغم
عدم توافر ارقام دقيقة، تقدر مساحة اراضي الضفة الغربية المشمولة ضمن مخطط حاضرة
القدس بنحو 660 كيلومترا مربعا، أي ما يعادل 11 في المئة من مساحة ارض الضفة
والقطاع التي تبلغ نحو 6000 كيلومتر مربع، ولربما كان يكفي “اسرائيل” ان تضم اقل من نصف هذه الاراضي (أي
نحو 5 في المئة) حتى تتيسر لها الهيمنة التي تريد.
وتحتل "مستعمرات
السامرة" المرتبة الثانية بعد مستعمرات القدس من حيث اهميتها في شبكة السيطرة
“الاسرائيلية”. فهذه المستعمرات التي تضم الفي
مناشيه، يتزهار، براشا، الكانا، اريئيل (وهي اكبرها)، اتامار، شيلو، ومعاليه افرايم
تمتد من الغرب الى الشرق حتى نهر الاردن جنوب قلقيلية ونابلس وشمال سلفيت لتفصل
شمال الضفة (قلقيلية، نابلس، جنين، طولكرم) عن شمال وسطها (رام الله). ومرة ثانية
ليست “اسرائيل” بحاجة الى ضم اراض كبيرة كنسبة
مئوية من مجمل اراضي الضفة والقطاع حتى يتيسر لها هذا الغرض.
على ان المستعمرات
لا تكتسب اهميتها في شبكة السيطرة “الاسرائيلية” الا من حيث علاقتها بالطرق،
الرئيسية منها والصغرى الالتفافية. فهذه الطرق مصممة حيث تدمج المستعمرات بالداخل
“الاسرائيلي” من جهة وتفتت المساحة الجغرافية
التي يحتلها السكان العرب الى جزر معزولة بعضها عن بعض وكذلك عن الخارج، ولا شك في
ان اهم الطرق سيكون الطريق الرئيسي العابر لاسرائيل (الرقم 6) الذي سيمتد على طول
الخط الاخضر (حدود الضفة الغربية مع “اسرائيل”) والذي يجري التخطيط لاعادة اسكان
مئات الالوف من “الاسرائيليين” على جانبيه حيث يصبح "العمود
الفقري" لاسرائيل تنتشر حوله المدن والقرى والمستعمرات “الاسرائيلية” حيث يتم دمج حواضر القدس وموديعين
وتل ابيب معا ودمج حوالي 70 في المئة من المستعمرين “الاسرائيليين” في الحاضرة الكبرى الناجمة عن ذلك.
وهكذا سيجري عمليا "توحيد" مساحة قدرها 4 آلاف كيلومتر مربع تمتد من اسدود الى
ناتانيا شمالا ثم شرقا حتى نابلس ثم جنوبا الى بيت لحم ثم غربا ثانية الى اسدود
لتصبح قلب المنطقة كلها وتضم المدن والقرى الفلسطينية بغض النظر عما اذا كانت هذا
محكومة ذاتيا ام لا.
وهناك من بعد شبكة
الطرق الفرعية التي تكمل مخطط الطريق الرئيسي العابر لـ “اسرائيل”. وهذه تتشكل من محاور تمتد شمالا
جنوبا واخرى تمتد غربا شرقا. فالطريق الرقم 60 الذي يمتد من بئر السبع في الجنوب
الى الناصرة في الشمال مارا بالخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس وجنين يقسم الضفة
الغربية الى نصفين تقريبا. ثم هناك الطريق الرقم 80 الذي يمتد موازيا الطريق الرقم
60 والذي يمتد من عراد الى القدس محيطا ببيت لحم وفاصلا ابوديس عن القدس. اما
الطريق الرقم 90 فيمتد من المطلة في الشمال الى ايلات في الجنوب قاطعا غور الاردن
ومارا في بيسان واريحا ثم محاذيا البحر الميت. وتكتمل الشبكة ومعها تقطيع الضفة
بالطرق الممتدة غربا وشرقا. فهناك عابر السامرة (الطريق الرئيسي الرقم 5) الذي يمتد
من الساحل الى غور الاردن عبر مستعمرة اريئيل، والطريق الرقم 45 من موديعين الى
معاليه ادوميم عبر الجزء الشمالي من القدس، والطريق الرقم 1 من تل ابيب الى وسط
القدس الى معاليه ادوميم ومن ثم الى جسر عبدالله بن الحسين على نهر الاردن، واخيرا
طريق اسدود ـ عمان الرئيسي (الطريق الرقم 7) الذي يمتد من الساحل عبر مستعمرات
بيتار وغوش عتصيون جنوب القدس الى معاليه ادوميم ومن ثم الى نهر الاردن فعمان.
واضافة الى هذه
الطرق جميعا هناك نحو 30 طريقا من الطرق الالتفافية التي تصل المستعمرات بعضها ببعض
وباسرائيل، وهكذا نجد ان شبكة الطرق والتي تصر “اسرائيل” على السيطرة عليها في أي تسوية
كفيلة وحدها بادماج الضفة الغربية مع “اسرائيل” وفي الوقت ذاته بعزل التجمعات
السكانية العربية عن بعضها بعضا عن الخارج مما يجعل أي "استقلال" فلسطيني ضمن هذه
الشروط اسميا فحسب لا يتعدى في الواقع كونه ادارة ذاتية للسكان. وتكتمل السيطرة
“الاسرائيلية” على المستوى الفيزيائي بالسيطرة
على الحدود والمعابر والمطار، وكذلك الميناء في المستقبل، اضافة الى السيطرة على
مكونات البنية التحتية: الاتصالات وشبكة الكهرباء ومصادر المياه وشبكة المياه.
غير ان السيطرة على
البنية التحتية تشكل ايضا جزءا من شبكة السيطرة على مستوى اخر لا يقل اهمية هو
المستوى الاقتصادي. وهناك من يعتقد ان السيطرة الاقتصادية “الاسرائيلية” تستهدف استغلال المناطق المحتلة
اقتصاديا. لكن الاغلب ان هذه السيطرة هي في المقام الاول الية من آليات الالحاق
السياسي، جريا على العادة الصهيونية، منذ ما قبل انشاء الدولة في اخضاع الاقتصاد
للسياسة. وفي هذا الصدد يلعب الدور الاهم عاملان، اولهما العمالة الفلسطينية في
“اسرائيل” والمستعمرات والمناطق الصناعية
“الاسرائيلية” المقامة على جانبي الخط الاخضر،
وثانيهما الاتحاد الجمركي المفروض على المناطق المحتلة. وتستخدم العمالة الفلسطينية
في آن معا كعصا وكجزرة: اذا "اساء" الفلسطينيون التصرف يفرض الاغلاق ويحرم العمال
من اعمالهم، ثم يلوح بالسماح لهم بالعمل شريطة ان يمتثل الفلسطينيون لما تريده
“اسرائيل”.
على ان للعمالة
الفلسطينية في “اسرائيل” ايضا اثارا بنيوية تعزز الالحاق
والتبعية. ذلك ان الارتفاع النسبي في اجور هذه العمالة يشوه سوق العمل لانه ليس
انعكاسا لمكتسبات في الانتاجية المحلية. وهذا بدوره يؤثر في الاقتصاد بطريقتين تعزز
الواحدة منهما الاخرى. ففي جانب العرض ترتفع اكلاف الانتاج وتنخفض الربحية وتتلاشى
القدرة على المنافسة في الاسواق الاجنبية، وهذا كله يحبط الانتاجين الزراعي
والصناعي. اما في جانب الطلب فان الزيادة في الدخل تؤدي الى زيادات في الطلب الكلي
في الاقتصاد المحلي دون زيادات موازية في الانتاج المحلي، فتكون النتيجة زيادة في
الواردات من “اسرائيل” وعبرها طبعا، وزيادة في الاسعار
عموما، مما يحفز بدوره على مزيد من العمل في “اسرائيل” والمستعمرات.
مع ذلك، فان خبراء
المنظمات الاقتصادية الدولية لا يكفون عن تأكيد علاقة وثيقة ما بين الاقتصاد
“الاسرائيلي” الكبير القوي الثري يمكن ان تعود
بالفائدة على الاقتصاد الفلسطيني، نتيجة زيادة الطلب على منتوجات الاقتصاد الاصغر
وانتقال التكنولوجيا الناجمة عن فرص التعاقد من الباطن والمشاريع المشتركة وتنسيق
السياحة وغير ذلك من الخدمات. لكن الواقع ان العلاقة الوثيقة حالت وتحول دون قيام
صناعات فلسطينية صغيرة في وجه المنافسة من الصناعات “الاسرائيلية” الاقوى والاكفأ والاكثر تقدما.
ولعل اكثر ما يمكن ان يطمح اليه الاقتصاد الفلسطيني في ظل مثل هذه العلاقة الاقتصار
على انتاج السلع التي لا تحتاج مهارات عالية والاستمرار في تصدير اليد العاملة الى
“اسرائيل”. وفي هذا الصدد يلعب الاتحاد
الجمركي المفروض على الاراضي المحتلة، والذي تصر “اسرائيل” على انه سيكون الناظم لعلاقاتها مع
"الدولة" الفلسطينية المستقبلية، دورا حاسما. ففي ظل هذا الاتحاد يجري تحديد
التعرفات حيث تتم حماية الصناعات “الاسرائيلية” حتى في ظل برنامج الانفتاح التجاري
التدريجي الذي تقوم “اسرائيل” بتنفيذه حالين. وهذه التعرفات
تزيد
اسعار السلع الراسمالية والوسيطة التي
يستوردها الاقتصاد الفلسطيني، وبذلك ترتفع اكلاف الانتاج الفلسطيني ويخسر الاقتصاد
الفلسطيني أي ميزة نسبية له وترسو العلاقة الاقتصادية على قاعدة الافضلية المطلقة
للاقتصاد “الاسرائيلي”.
على ان الاتحاد
الجمركي دورا سياسيا مهما ايضا. فمن جهة لا تعود "الدولة" الفلسطينية بحاجة
اقتصاديا الى السيطرة على الحدود والمعابر ما دامت سلطات الاتحاد الجمركي
“الاسرائيلية” تقوم بجباية التعرفات والجمارك
والمكوس نيابة عن الطرفين. ومن جهة ثانية، فان “اسرائيل” تقوم بموجب هذا الترتيب باعطاء
السلطة الفلسطينية "حصتها" من الجمارك شهريا، مما يوفر لها الية سيطرة اخرى، اضافة
الى كل آليات السيطرة التي تطرقنا اليها سالفا. وقد كان من نتائج الاتحاد الجمركي
ان عانت السلطة الفلسطينية ولا تزال التسرب الضريبي، ذلك ان “اسرائيل” لا تحول الى السلطة سوى الجمارك
على الشحنات المعنونة الى الضفة والقطاع. وبما ان غالبية الواردات الفلسطينية تأتي
عن طريق وسطاء “اسرائيليين” كجزء من شحنات معنونة الى شركات
“اسرائيلية”، فان السلطة لا تتلقى أي جمارك
عنها. وقد حاولت السلطة معالجة هذا الامر بوضع نظام تراخيص للاستيراد لا يستطيع احد
بموجبه ان يستورد شيئا عبر “اسرائيل” الا بترخيص. وكان من نتيجة ذلك
مفاقمة ميل السلطة الى تعزيز الاحتكارات وحصر النشاط الاقتصادي بحل المشكلة تماما،
اذ لا يزال من غير الممكن تقاضي جمارك من المداخيل غير “الاسرائيلية” في السلع المستوردة مباشرة من
“اسرائيل”.
والجدير بالذكر ان
البنك الدولي استفاق اخيرا، فاوصى في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بان تلغي السلطة
الفلسطينية اتفاقيتها الجمركية مع “اسرائيل”، لتصبح وحدة تجارية قائمة بذاتها
تفرض جمارك اخفض وتتوصل الى اتفاق تجاري جديد مع “اسرائيل” يقوم على التكافؤ مع شركاء
“اسرائيل” التجاريين الآخرين، وهذا يعني
بدوره فرض ضرائب جمركية على تجارة البضائع بين الطرفين. ولن تستطيع فلسطين المستقبل
الفكاك من قبضة السيطرة الاقتصادية “الاسرائيلية” الا باعادة الارتباط بالداخل
العربي عبر الاردن ومصر.
وتفضي آليات
السيطرة الاقتصادية بدورها الى آليات من نوع آخر يمكن تسميتها آليات الاستمالة
Cooption. وقد كان نصيب هذه الاليات من
النجاح محدودا حتى الان بفعل اثار احتدام الصدام الفلسطيني ـ “الاسرائيلي”، لكنها مرشحة للعب دور حيوي
الاهمية اذا ما ساد الهدوء والاسترخاء العلاقات بين الطرفين. والواقع ان كلا من هذه
الاليات تحمل في ثناياها بذور نقيضها. مثلا، لا بد من ان “اسرائيل” كانت تتوقع ان تؤدي عمالة اكثر من
125 الف فلسطيني في “اسرائيل” والمستعمرات الى قدر من ارتباط
هؤلاء وعائلاتهم مصلحيا باستمرار علاقة السيطرة ـ التبعية فيشعرون بالود تجاه
“اسرائيل” ما دام الامر يتعلق بلقمة عيشهم
ذاتها. ولكن اضافة الى الطابع الاشكالي لعلاقة العامل براس المال هناك المعاملة
السيئة التي يلقاها العمال على المعابر وفي اماكن العمل والطول البالغ ليوم العمل
اذا ما اضيفت له ساعات السفر، اضافة الى شعور المهانة الوطنية، مما يملئ العمال
حنقا واستلابا.
واذا كان عدد من
العمال الفلسطينيين مضطرا الى العمل في بناء المستعمرات لتحصيل لقمة العيش، فان
عذرا كهذا لا يتوافر لبعض المقاولين واصحاب آلات البناء الثقيلة والشاحنات وموردي
مواد البناء، مثل الطوب والحصى والحجارة، الفلسطينيين الذين يعملون هم ايضا في بناء
المستعمرات، بل ان تحقيقا في احدى الصحف “الاسرائيلية” يسمي اثنين من كبار رجال السلطة
الفلسطينية مدعيا ان لمصالحهما التجارية علاقة ببناء المستعمرات (هآرتس،25 ايلول ـ
سبتمبرـ 2000). ونحن لا نذهب الى ان هذا الادعاء صحيح بالضرورة، لكن مجرد سوقه يلقي
الضوء على التفكير “الاسرائيلي”: السعي الى ربط قطاع من رجال
الاعمال الصغار ومتوسطي الحجم ورجال السلطة لا بالاقتصاد “الاسرائيلي” فحسب، بل وايضا بعملية بناء
المستعمرات ذاتها.
ومن اللافت ان عددا
من مروجي المشاريع المشتركة من “الاسرائيليين” (شين بيت) السابقين الذين ساموا
الشعب الفلسطيني العذاب. ولعل اسوأ هؤلاء صيتا يوسي غينوسار، الذي كان مسؤولا عام
1984 عن قتل فدائيين فلسطينيين بعد القاء القبض عليهما (قضية الباص 300)، والذي
حالت المحكمة “الاسرائيلية” العليا بعد ذلك بتسعة اعوام دون
تعيينه مديرا لوزارة الاسكان لان من يتبوأون مناصب عامة "ينبغي ان يحافظوا على
مستوى مناسب من السلوك الاخلاقي. ويبدو ان التصرف “الاسرائيلي” في هذا المضمار يقوم على قاعدة
"الازدهار الفردي والدفاع الوطني"، أي ان من مصلحة “اسرائيل” ان يزدهر عدد من الافراد، في الوقت
الذي تتم الحيلولة دون نمو اقتصاد وطني مزدهر، على اساس ان ازدهار الافراد يمكن ان
يؤدي الى ارتياح عام يساعد على الاستقرار، من هنا، نجد احد المعلقين “الاسرائيليين” يقول في معرض نفيه عن السلطة تهمة
الضلوع في تفجير الانتفاضة الثانية، ان "رسميي السلطة الفلسطينية كانوا يعملون
باستمرار لتشجيع استثمارات اقتصادية رئيسية. كما انهم استثمروا قدرا كبيرا من
اموالهم هم … وما كانوا ليفعلوا ذلك لو انهم
كانوا يتوقعون حوادث دموية". ويضيف ان "قادة السلطة الفلسطينية ابتنوا لانفسهم
بيوتا انيقة ومكاتب ومقرات كلفت الكثير من الاموال (داني روبنشاتين، هآرتس 6 تشرين
الثاني ـ نوفمبر ـ 2000).
قصدت هذه المقالة
تبيان ان استقلالا فلسطينيا حقيقيا جديرا بان يطلق عليه اسم "دولة" يقتضي من جهة
ازالة الاستيطان كاملا، وعلى الاخص الكتل الاستعمارية الكبرى ويقتضي من جهة ثانية
تحطيم آليات السيطرة “الاسرائيلية”. وهذا الشرط الثاني يتضمن بدوره
السيطرة على الحدود والمعابر والطرق الداخلية وتحقيق استقلال اقتصادي يسمح بربط
فلسطين بالداخل العربي عبر الاردن ومصر. اما اذا تم القبول بالابقاء على الكتلة
الاستيطانية على اساس ان ذلك "يعيد" للفلسطينيين نحو 95 في المئة من الارض وجرى ذلك
دون نزع السيطرة “الاسرائيلية” فان الحل الناجم سيتمخض عن حكم
ذاتي للسكان لا اكثر، سواء اطلق عليه اسم "دولة" ام لا وسواء كانت لهذا الحكم
الذاتي "عاصمة" في القدس ام لا. واذا ما الت الامور الى مثل هذه الحال، فليس عيدا
ان يخرج هرتزل وجابوتنسكي وغيرهما من آباء الصهيونية المؤسسين من قبورهم ليشكلوا
حلقة رقص صاخب جذل احتفالا بسيطرة خلفائهم على "ارض “اسرائيل”" كلها، وقد يفعلون ذلك في الليل
بعيدا عن العيون خشية ان يفطن العرب.