رصد انتهاكاً لجميع حقوق الانسان والمواثيق الدولية

تقرير "ماري روبنسون" يفضح الوحشية الاسرائيلية

 

 

الاهرام العربي 9/12/2000


 

مقدمة

الذهول كان هو المسيطر على تلك السيدة الارستقراطية التي اوكلت اليها الامم المتحدة مهمة زيارة الاراضي الفلسطينية المحتلة وكتابة تقرير حول الاوضاع الانسانية هناك.

لم تصدق ماري روبنسون ما رأت واصابتها الدهشة لما سمعت من روايات القتل والتعذيب والانتهاكات التي تمارسها القوات الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني المحاصر والاعزل.

وعادت لتكتب تقريرها الذي وصفه الكثير من الاوساط الدولية بانه صفعة على وجه اسرائيل القبيح، والذي ازال القناع عن الكثير من الدعاوى والاكاذيب الاسرائيلية.

"الاهرام العربي" تستعرض في السطور التالية تقرير ماري روبنسون المفوضة العليا لحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة اثر جولتها في الاراضي المحتلة واسرائيل.

 

في الفترة من 17 الى 19 اكتوبر 2000 عقدت مفوضية حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة جلستها الخاصة بمناقشة الاوضاع المتردية لحقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بناء على طلب رئيس المفوضية العليا لحقوق الانسان ومندوب الجزائر لدى الامم المتحدة بالنيابة عن الدول الاعضاء في جامعة الدول العربية، وانتهت هذه الجلسة الخاصة الى تبني القرار الذي يخلص الى مطالبة رئيس المفوضية العليا لحقوق الانسان والتابعة للامم المتحدة بالقيام بزيارة عاجلة الى الاراضي الفلسطينية المحتلة والوقوف على الممارسات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين والتي تمثل انتهاكا لميثاق حقوق الانسان، وتسهيل آليات عمل المفوضية التي تهدف لتنفيذ هذا القرار، وتقديم تقرير عن تنفيذ القرار لعرضه على اللجنة السابعة والخمسين للمفوضية.

وفي ضوء ذلك قامت رئيسة المفوضية العليا بزيارة منطقة الشرق الاوسط في الفترة من 8 الى 16 نوفمبر 2000، واثناء هذه الجولة زارت الاراضي المحتلة الفلسطينية، ومصر واسرائيل والاردن وجاءت نتائج الزيارة كالتالي:

ان اسرائيل قبلت بعد عقد اجتماع مع رئيسة المفوضية العليا ان يتضمن زيارتها الى المنطقة اسرائيل ايضا، وفي غزة التقت رئيسة المفوضية بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وعدد من ممثلي البرلمان الفلسطيني وممثلي الجمعيات الاهلية ورئيس اللجنة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطنين وممثلي برامج الامم المتحدة ووكالاتها بما فيها المفوض العام لـ "الاونروا" ومنسق الامم المتحدة الخاص.

اما في القدس الشرقية فقد التقت رئيسة المفوضية بممثلي عدد من المجتمعات الاسلامية والمسيحية والمنظمات غير الحكومية، كما قامت بزيارة مخيمات اللاجئين وعدد من المدارس، وفي القاهرة اجتمعت رئيسة المفوضية مع وزير الخارجية عمرو موسى وعدد من كبار المسئولين بالوزارة وممثلي الجمعيات والمنظمات الاهلية المصرية وامين عام الجامعة العربية، اما في الاردن فقد التقت بالملك عبدالله الثاني ونائب رئيس مجلس الوزراء احمد خليفة وخلال هذه اللقاءات والاجتماعات استمعت رئيسة المفوضية الى وجهات نظر المئات من الناس حول رؤيتهم لاوضاع حقوق الانسان في المنطقة.

وخلصت رئيسة المفوضية بعدد من الملاحظات العامة خاصة بحقوق الانسان في الاراضي المحتلة الفلسطينية وابرزها ان السكان المدنيين في الاراضي المحتلة يشعرون بأنهم دائما محاصرون بقوى عسكرية مستعدة دائما لاستخدام القوة ضد أي مظاهرة او من يقومون بقذف الحجارة ضدها، وفي كل الاجتماعات مع رئيسة المفوضية طالبت السلطة الفلسطينية بالحماية الدولية، وكذلك طالب البعض بالمراقبة الدولية.

وبالنسبة لوجهة نظر السلطة الفلسطينية تجاه اوضاع الشعب الفلسطيني في الازمة الراهنة وعلاقته بقضية مراعاة حقوق الانسان فهي تربط بين واقع الاحتلال المرير للاراضي الفلسطينية وتعامله بكثير من التمييز والتفرقة والاهانة مما ادى الى حالة من الاحباط والغضب تمثلت في احداث الانتفاضة الحالية كل هذه التطورات ليست سوى نتيجة لفشل تنفيذ قرارات الامم المتحدة 181 ـ 194 ـ 242 واستمرار سياسة مصادرة الاراضي وبناء المستوطنات ورفض الاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للفلسطينيين.

واشارت رئيسة المفوضية العليا لحقوق الانسان الى ان الشعب الفلسطيني يعاني حالة تمييز وتفرقة شديدة الخطورة بمن في ذلك العرب الحاصلون على الجنسية الاسرائيلية، فمن منطلق ضمان امن المواطن الاسرائيلي تفرض كثير من القيود والاجراءات البيروقراطية على الانسان الفلسطيني.

اما بالنسبة لتقييم وضع حقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية المحتلة فقد تلقت رئيسة المفوضية عددا من التقارير من مصادر متعددة تؤكد انتهاك حقوق الانسان في الاراضي المحتلة خلال الاحداث الاخيرة بالاضافة الى انتهاكات منظمة طويلة المدى من جانب قوى الاحتلال الاسرائيلي.

كما ذكرت هذه التقارير ان الحكومة الاسرائيلية لم تلتزم بالقانون الدولي لحقوق الانسان خاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين في وقت الحرب المنصوص عليه في معاهدة جنيف الرابعة لعام 1949.

وكذلك ما يتعلق باساءة استخدام القوة بما فيها مهاجمة الفريق الطبي اثناء الحرب وتدمير الممتلكات والحد من حرية الحركة للمواطنين الفلسطينيين بما له من تأثير اقتصادي سلبي عليهم.

وكانت اهم الممارسات المناهضة لحقوق الانسان هي استخدام قوات الامن الاسرائيلية للقوة بشكل مبالغ فيه حيث لا يتماشى وحجم التهديد الذي قد يتعرض له الجنود الاسرائيليين من الفلسطينيين، وكان عدد كبير من المراقبين بمن فيهم مراقبو الامم المتحدة، قد سجلوا زيادة اعداد الجرحى والقتلى نتيجة للاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين، وعليه عقدت رئيسة المفوضية لقاء مع مسئولين بوزارة الدفاع الاسرائيلية والذي عقد في مطار تل ابيب في 13 نوفمبر قبل توجهها الى القاهرة حيث ناقشت اسباب وسبل وقف استخدام القوة ضد المدنيين.

وكان عدد كبير من المصابين من الفلسطينيين في المصادمات مع القوات الاسرائيلية قد اصيبوا باصابات بالغة خاصة في الجزء الاعلى لاجسامهم تتراوح ما بين فقدانه النظر او احداث اصابات بالمخ مما يؤدي الى وفاة كثير منهم وتحدث هذه الاصابات نتيجة لاستخدام الغازات المسيلة للدموع او الرصاص المطاطي والرصاص الحي.

وطبقا لتقديرات وزارة الصحة الفلسطينية فان عدد الجرحى بلغ حوالي 6958 جريحا وذلك منذ بدء احداث الانتفاضة الاخيرة التي بدأت من 29 سبتمبر الماضي وحتى 9 نوفمبر 2000، و10% من هؤلاء الجرحى اقل من 18 عاما، وان الاسلحة التي استخدمت في احداث هذه الاصابات كان منها 41% رصاصا مطاطيا و27% رصاصا حيا و27% غازات مسيلة للدموع.

اما جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني فقدرت عدد القتلى في احداث الانتفاضة بدءا من الفترة من 29 الى 23 نوفمبر بحوالي 236 فلسطينيا و9353 جريحا، بينما بلغ عدد القتلى الاسرائيليين 30 و 375 جريحا وذلك طبقا لمصادر اسرائيلية رسمية.

اما عن تأثير هذه الممارسات على الاطفال، فطبقا لاحصائيات الصليب الاحمر والهلال الاحمر، فمع حلول 20 نوفمبر 2000 بلغ عدد الاطفال القتلى في الانتفاضة تحت سن 18 عاما 80 طفلا اما الجرحى منهم فبلغ عددهم 3000 طفل منهم ما يتراوح بين 200 الى 300 طفل من المتوقع ان يعانوا عاهات مستديمة.

كما ان مئات من الاطفال الفلسطينيين اضطروا الى ترك منازلهم حتى لا يتعرضون لممارسات العنف الاسرائيلي، كما ان تدمير منازل الفلسطينيين ادى الى تشريد اكثر من الف طفل يعانون نقصا في الغذاء وحرمانا من الرعاية الصحية، كما يعاني كثير من الاطفال مشاكل اجتماعية ونفسية نتيجة لاحداث العنف الاخيرة كما ان الوضع الحالي في الضفة الغربية وغزة له اسوأ الاثر على النظام التعليمي الفلسطيني، فمنذ احداث الانتفاضة الاخيرة اغلقت 40 مدرسة بالاضافة الى حالة عدم التركيز التي اصابت كثيرا من التلاميذ مما اثر على الاداء العام للعملية التعليمية.

فيما يتعلق بالممارسات الاسرائيلية تجاه فرق الاسعاف الطبي فان حالة كثير من ضحايا العنف الدائر في الاراضي الفلسطينية تدهورت بل كان مصيرها الموت نتيجة لقيام القوات الاسرائيلية بمنع سيارات الاسعاف الفلسطيني من القيام بمهامها ومسئولياتها تجاه الجرحى.

وفي قطاع غزة قامت رئيسة المفوضية بزيارة مخيم اللاجئين والمناطق المحيطة ولاحظت ان كثيرا من المنازل قد طالتها دبابات وصواريخ القوات الاسرائيلية بالتدمير، كما قامت قوات الاحتلال الاسرائيلي بازالة كثير من حدائق اشجار الزيتون وغيرها بحجة ان المسلحين الفلسطينيين يختبئون فيها.

كما ان اغلاق مناطق الاراضي المحتلة الذي طبق منذ بداية شهر اكتوبر، الذي تعللت اسرائيل بانه ضروري من اجل الحفاظ على اجراءات الامن، كان له اثر سلبي على المستوى الاقتصادي حيث ادى هذا الاغلاق الى حرمان الفلسطينيين من حقوقهم الاقتصادية وحقهم في التنمية، وكان ممثلو وكالات الامم المتحدة للتنمية وحقوق الانسان في القدس  وغزة قد ابلغوها ان حوالي 128000 عامل فلسطيني يعملون في اسرائيل لا يستطيعون الان الذهاب الى اماكن عملهم في ظل سياسة الحظر المفروضة على سكان المناطق المحتلة.

ويرى الدكتور عصمت عبدالمجيد امين عام جامعة الدول العربية ان تقرير ماري روبنسون بلور شعورها كرئيسة للمفوضية العليا لحقوق الانسان بما يتم من قتل وتشريد وكل ما يخالف القواعد والاعراف الدولية والقوانين الانسانية.

واكدت روبنسون في تقريرها ان الفزع اصابها والذهول استولى عليها نتيجة لما شاهدته بنفسها من اعمال العنف وقتل الابرياء، وطالبت بتوفير حماية دولية للفلسطينيين ضد الرصاص الاسرائيلي المغلف بالمطاط، واستخدام جميع اسلحة الدمار البشري.

واعتقد ان التقرير وصمة عار في جبين اسرائيل، وقد تم تعميم هذا التقرير على كل الدول العربية وعلى كل منظمات حقوق الانسان، واكدنا انه يجب على كل المنظمات المعنية بالامر القيام بواجبها الانساني تجاه هذا الجرم.

ويؤكد عمرو موسى وزير الخارجية المصري ان السيدة ماري روبنسون المفوضة العامة لحقوق الانسان لم تكن لتنطق او تعتقد انها سوف ترى ما رأت، ويقول لـ "الاهرام العربي" ان هذا بالضبط هو الاثر الاعلامي الخطير في اخفاء الحقيقة وتقديم صورة مغلوطة من الجانب الاسرائيلي، وكان العالم الغربي والعالم ككل واقعا تحت تأثير هذا الصورة المغلوطة.