الكيان الصهيوني بين الخيارات المضمرة واللاخيارات

 

* كاتب ومفكر فلسطيني


لا يشبه الكيان الصهيوني الا نفسه وهو كما نموذجه من الاحتلال لا يشبه احتلالاً آخر من التاريخ البعيد أو القديم، ومن هنا تأتي أزمته التي نشأت منذ بداية وجوده واستمرت بل تفاقمت ضمن تطورات الصراع وصيروراته.

فالكيان الصهيوني يواجه في معركته الاخيرة مع الفلسطينيين استحالة غير مسبوقة على صعيد الخيارات، فهو من جهة يملك خياراً ولكنه يدرك ان هذا الخيار مستحيل التنفيذ ويتمثل هذا الخيار بترحيل الشعب الفلسطيني عن أرضه وهو أمر لا يقدر عليه "الكيان" وإن كان يتمناه ويخطط له ليلا نهاراً، فالظروف الدولية وقوة الاعلام التي جعلت من الرأي العام قوة لا يستهان بها لا تمكناه من تحقيق حلمه بأن تكون أرض فلسطين كلها له وحده ولينصب الفلسطينيون الى المنافي ثانية كما ذهبوا اول مرة.

كذلك يدرك الكيان الصهيوني بعد اختباراته المرة مع الشعب الفلسطيني ان اعطاء الفلسطينيين الاراضي التي احتلت عشية الرابع من حزيران 1967 لن يكون حلاً استراتيجياً لمصلحة الكيان بل سيكون منصة انطلاق لأزمة مقبلة يواجهها الكيان في ما بعد. فالوجود السكاني المتنامي للفلسطينيين من مناطق الـ48 وتبلور الهوية الوطنية والدينية بينهم وفشل مشاريع الأسرلة لهم، كل ذلك يجعل من اعطاء الفلسطينيين دولة حتى في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس تنازلاً من وجهة النظر الاسرائيلية لن يعود على الكيان الصهيوني بأي فائدة على المستوى المتوسط والبعيد. فبعد قيام الدولة سيزداد تأثير فلسطينيي الـ48 في الحياة السياسية الاسرائيلية وسيكون أمام الكيان خياران أحلاهما مر، فإما ان يستمر في ادعاءاته انه دولة ديموقراطية وإما ان يعلنها صراحة ان الكيان يوقع على اعتراف واضح أنه دولة عنصرية.

لذلك فإن خياراً آخر الى تأجيل الحلول على المسار الفلسطيني بانتظار فرص دولية افضل، يعتبر الجحدى لشارون، ومن هنا جاءت فكرته بتأجيل الحلول وتجميدها والفصل بين المناطق الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني وكذلك بين المناطق الفلسطينية بعضها عن بعض، أي ان الفكرة الوحيدة في ذهن شارون هي فكرة "اللاحل" القائمة على الفصل على أسس عنصرية وفي وقت انتهت فيه كل اشكال العنصرية من الناحية القانونية من جميع انحاء العالم وكذلك انتهت فيه الاحتلالات الا الاحتلال الاسرائيلي العنصري لفلسطين.

ان محاولات شارون لفرض هذا الحل الذي هو لا حل في حقيقته باءت جميعها بالفشل ولكن شارون ما زال يراهن على ان العنف والمزيد من العنف يمكن من كسر الارادة الفلسطينية وإحباط الفلسطينيين للقبول بحلوله ومقترحاته، وهو بصفته صاحب شخصية عنيفة يتصور ان العنف والارهاب يمكن ان يكونا أدوات سيطرة تفتت عزيمة الشعب الفلسطيني وتلغي ارادته.

ان القمع الاسرائيلي للفلسطينيين يزيد الفلسطينيين اصراراً وتحدياً وليس أمامهم من كل الخيارات الا خيار الاستمرار في المقاومة في حين ان اثار هذا القمع على السكان الاسرائيليين في فلسطين واستمرار الانتفاضة ليس أمامهم من كل الخيارات الا خيار الرحيل عن فلسطين والبحث عن مكان آخر.

لقد استطاعت الانتفاضة المستمرة منذ عام اعادة طرح الاسئلة الوجودية على الكيان الصهيوني وعلى العالم وعلى النظام الدولي الذي قبل وأراد الكيان الصهيوني، وقد أدى تفاقم الازمة السياسية والامنية والعسكرية والثقافية والاخلاقية "للكيان" بسبب الانتفاضة الى إجبار بعض المفكرين الاسرائيليين واليهود بالتفكير مجدداً بمصير الكيان وذلك بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على نشوئه وبعد امتلاكه القوة العسكرية العالية في منطقة الشرق الاوسط.

فقد طرحت بعض الحلول وإن كانت هذه الحلول هي اشبه بمحاولات الاستكشاف أكثر من كونها حلولاً قد استقرت كخيارات نهائية، وكان آخر هذه الحلول هو ان يفكر الكيان في امكانية قبوله بالقرار 181 القاضي بتقسيم فلسطين لأن هذا الحل هو الحل الوحيد مع بعض التعديلات التي تضمن استمرار الدولة اليهودية في فلسطين، حيث انه ومن خلال القبول بقرار التقسيم يتصور أصحاب هذا الحل ان جزءاً كبيراً من السكان الفلسطينيين من "دولة اسرائيل" سوف يتم اخراجهم وضمهم الى الدولة الفلسطينية وبذلك يرتاح هذا الكيان من أخطر ما يواجهه على المدى البعيد وهو تحول الدولة اليهودية الى دولة فلسطينية.

ان هذا الحل الذي يتم تداوله على نطاق اكاديمي وبحثي يدل على تفاقم الازمة الوجودية للكيان ليس بفعل الانتفاضة وبسالة الشعب الفلسطيني فحسب، بل بسبب ان وجوده في حد ذاته اشكال للعالم العربي ولمن ينسب الى هذا الكيان الذي بات يدرك الكثيرون انه كيان زائل ولو بعد حين.