احمد ابوهدبة/ كاتب فلسطيني
مجلة الشاهد / حزيران 2000
مقدمة
على ارضية الصراع والتناقض بين السلطنة
العثمانية والاستعمار الاوربي، برزت ظاهرتان، دخلتا بطبيعة الحال في تناقض تناحري
بينهما، تنفي احداهما الاخرى، وهما ظهور الحركة القومية العربية على خلفية تفكك
السلطنة العثمانية من جهة، وتبلور الوعي الذاتي العربي لخصوصية الامة العربية،
وبالتالي ضرورة التعبير عن هذه الخصوصية في دولة قومية موحدة من جهة اخرى، وبروز
الحركة الصهيونية كحركة نقيضة من حيث الاهداف المرامي، وسعيها لاقامة دولة يهودية
في قلب الوطن العربي في اطار مشاريع الدول الاستعمارية. وفي الاطار نفسه برز الدور
الصهيوني الذي اوكلت اليه لاحقا عبر تجسيده المادي في كيان “اسرائيل” لاحقا مهمته ودوره المساهمة الفعالة والعملية في
التصدي للحركة القومية العربية والعمل على ضربها وعرقلة واحباط نضالاتها في
الاستقلال والوحدة، وذلك عن طريق تكريس ذلك الكيان، كقاعدة عدوانية همها سواء
بالتدخل المباشر او غير المباشر، الحؤول دون تحقيق الحركة القومية العربية لاهدافها
وبناء عليه ترسيخ واقع التجزئية والتفتيت والتبعية في الوطن
العربي.
رأت الدول الاستعمارية وخاصة بريطانيا، في تيودور هرتسل والحركة الصهيونية المعبر الابرز في ذلك المنعطف في اوضاع اليهود والحركة الصهيونية، على ارضية التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في اوروبا وعلاقة كل ذلك، بمنطقة الشرق الاوسط والوطن العربي بوجه خاص، فالتقط هرتسل الخيوط المتعددة لنشوء الحركة الصهيونية، وجمعها في منظمة عالمية قابلة للحياة في المناخات السائدة في اوروبا آنذاك على المستويين الاوروبي العام واليهودي الخاص، واذ افاد هرتسل من افكار سابقيه من دعاة الصهيونية، فانه فاقهم جميعا ببرنامجه السياسي والتنظيمي والعملي والاكثر ملائمة للواقع السياسي المحيط بالنشاط الصهيوني.
المشروع الصهيوني الرقم المهم في اتفاقيات (سايكس ـ بيكو)
مثل ما سمي مؤتمر (فرساي) في باريس للسلام، محصلة لنتائج الحرب العالمية التي هزمت خلالها الامبراطورية العثمانية وتفككت، ووجد الطرف العربي الاضعف في ذلك الوقت برئاسة (فيصل) نفسه في موقف حرج ويائس، وبالتالي في موضع الابتزاز، الامر الذي جعل بريطانيا تستغل ذلك الى ابعد الحدود، ساعدها في ذلك الرفض الفرنسي المطلق بداية لاشراك الوفد العربي، بحجة ان امارة الحجاز لم تكن طرفا في الحرب، الى جانب اصرار وفد وزارة الخارجية الاميركية في اسقاط هذا الوفد من قائمة المشتركين، فلقاء دعم بريطانيا مشاركة الوفد العربي فيه انتزعت من فيصل تنازلات لمصلحة الصهيونية في حين ضم الوفد الصهيوني اكبر عدد من ممثلي فروع هذه الحركة في العالم واهمها من حيث الثقل والتأثير كان وفد الحركة في المؤتمر بصفة مراقب كما هو الحال بالنسبة للوفد العربي.
في حين ركزت الحركة انتباهها على يهود الشرق، وبدأت بوضع الخطط الكفيلة بفك العلاقة والارتباط بينهم وبين مجتمعاتهم بواسطة وفود وادوات مختصة، وفي الوقت الذي فرضت قيادة (الامر الواقع) نفسها على النشاط الصهيوني بسبب اوضاع الحرب التي سادت اوروبا، فبرز كل من (حاييم وايزمان) في بريطانيا و(لويس برانديس) في الولايات المتحدة و(ناحوم سكولوف) في فرنسا، بينما شكلت الحركة قيادة ميدانية للاشراف على جميع التنظيمات اليهودية في اوروبا الشرقية وخاصة روسيا نظرا للظروف التي تشكلت في روسيا بعد الثورة الاشتراكية، واعتمدت على حث هذه التنظيمات بالهجرة الى فلسطين والعمل سوية مع السفارات البريطانية والفرنسية والاميركية في روسيا من اجل تحريض اليهود بعدم الاندماج بالاوضاع الجديدة والهجرة الى فلسطين.
تشكلت خارطة الصراع على الارض الفلسطينية، بعد ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها من ثلاث قوى اساسية، الاستعمار البريطاني، والمشروع الصهيوني كجزء عضوي منه من جهة، والشعب الفلسطيني وجماهير الامة العربية ممثلة بقواها السياسية المتبلورة حديثا من جهة اخرى.
فقد تضافرت جهود الانتداب البريطاني في فلسطين، مع النشاط الصهيوني الاستيطاني المحموم لتهويدها ـ الارض والشعب والسوق ـ على جعل ثورة الشعب الفلسطيني وقوى الامة العربية الحية مسألة حتمية، لا سيما وان الشروط الموضوعية لمثل هذه الثورة توفرت منذ البداية، اذ راح الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني، يحثان الخطى نحو تغييب الشعب الفلسطيني عن وطنه، كضرورة لتحقيق الهدف المعلن لهما ـ تحويل فلسطين الى وطن قومي لليهود ـ وكان طبيعيا ان يقاوم الشعب الفلسطيني والامة العربية، بما لديهم من طاقة على العمل، رغم انه لم تتوفر لجزء غير يسير من الامة العربية ان تساهم بشكل فعال في الصراع، نتيجة عزل الشعب الفلسطيني نسبيا عن عمقه الاستراتيجي، على ضوء التقسيمات الاستعمارية للوطن العربي بعد الحرب العالمية الاولى.
وتميزت المرحلة الواقعة بين الحربين، بالهبات والثورات الشعبية الفلسطينية المتواصلة ضد الانتداب البريطاني، والاخطار التي باتت محدقة بالشعب الفلسطيني، جراء التجسيد المادي على الارض الفلسطينية بقوة السلاح، فشكلت ظاهرة الكفاح المسلح، ممثلة بالظاهرة القسامية، والاضراب الطويل الذي استمر اكثر من ستة اشهر، ابرز ملامح تلك المرحلة الكفاحية من تاريخ الصراع، بعد ان راح الوضع يتفاقم، نتيجة صعود النازية في المانيا، وبالتالي ازدياد الهجرة الشرعية وغير الشرعية الى فلسطين، فعم التململ انحاء فلسطين، واستمرت الثورة المسلحة الفلسطينية حتى اعلان الحرب العالمية الثانية عام 1939، في الوقت الذي تبلورت الملامح الرئيسية للمشروع الصهيوني.
فقد قال بن غوريون في جلسة مغلقة للجنة السياسية المتفرعة عن المؤتمر الصهيوني الذي عقد في كانون الاول ـ ديسمبر 1946: "ان المشكلة الرئيسية التي تواجه استكمال تجسيد المشروع الصهيوني هي مشكلة الامن.. والى فترة قريبة ماضية كانت المسألة هي كيف نحمي انفسنا من العرب الفلسطينيين الذين لم يكن لديهم، مثلنا اجهزة ومؤسسات رسمية، وكانوا طوال الوقت يهاجمون التجمعات الاستيطانية اليهودية. . . لكننا الان نواجه وضعا مختلفا، ان "ارض “اسرائيل”" فلسطين محاطة بدول عربية مستقلة، فهناك خطر كبير ان يتسنى لهذه الدول وسكانها المشاركة الفعلية في الصراع .. فلا يجوز لنا الانتظار حتى يصبح الخطر جاثما".
جاءت نتائج الحرب العالمية الثانية، وتأثيراتها على الوطن العربي، متطابقة مع تلك المشاريع التي تم تنفيذها على الارض كمحصلة لنتائج الحرب الاولى في مؤتمر (سان ريمون) والتي قسمت الوطن العربي الى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية وايطالية. لكن المحصلة الاهم في تلك النتائج هي (تجسيد المشروع الصهيوني ماديا على الارض الفلسطينية) في اطار المشروع الامبريالي الذي يهدف على المدى البعيد الى تثبيت ما تم تحقيقه ماديا على الارض العربية في نشوء كيانات سياسية وبنى اقتصادية تابعة للمراكز الامبريالية، وبالتالي منع اية محاولة قد تقوم بها قوى الامة الحية لتجميع صفوفها وخوض نضالاتها عبر اشكال جديدة قد تنشأ فيما بعد كردة فعل لهزيمة الجيوش العربية في فلسطين بعد ضياع اجزاء كبيرة منها عن طريق احتواء هذا المشروع والحد من مخاطره قدر الامكان وبالتالي تحقيق اشكال جديدة من الوحدة العربية.
وكان للتبدل الحاصل في موازين القوى الدولية لصالح الولايات المتحدة ومنظومة الدول الاشتراكية التي ظهرت الى الوجود كاحدى نتائج تلك الحرب، وتراجع نفوذ كل من فرنسا وبريطانيا تأثيره الحاسم على المرحلة المقبلة التي سميت الحرب الباردة، وكذلك الامر فقد كان للخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبه الاتحاد السوفياتي في حينه عندما بادر الى الاعتراف بالكيان الجديد تأثيره الكبير على طريقة فهم مضمون واشكال الصراع مع الكيان الصهيوني من قبل الكثير من الانظمة والنخب وحتى الاحزاب العربية على السواء، فيما انحاز الكيان الجديد بشكل مطلق الى جانب الولايات المتحدة في الصراع مع المنظومة الاشتراكية لاحقا.
الكيان الصهيوني وتقسيم العرب
ركز الكيان الصهيوني بعد فترة وجيزة من الاعلان عن انشائه جل اهتمامه على هدفين مركزيين: تثبيت وترسيخ دعائم وجوده، والقيام باوسع حملة من اجل استجلاب الطاقة البشرية اللازمة لذلك وخاصة (يهود الدول العربية) حيث لعبت افرع الحركة الصهيونية في تهجير الغالبية العظمى منهم، لقد لجأت الحركة الصهيونية الى ترهيب وتخويف اليهود العرب بغية اجبارهم على ترك اوطانهم، كما حصل في العراق وسورية، ومصر.
ومع هذا فان الكيان الصهيوني لم يسقط منذ السنوات الاولى لانشائه، من حساباته اية تأثيرات محتملة للمتغيرات الاقليمية والدولية، واهمها ظهور العرب كقوة فاعلة قادرة على التأثير على هذه المتغيرات، الامر الذي استدعى في حينه ضمان (امنه سياسيا وعسكريا واقتصاديا) وبناء القوة العسكرية القادرة على حماية المصالح الامبريالية والتي كان وجوده مشترطا بذلك من جهة، وتمكينه من استجلاب المهاجرين من كافة انحاء العالم والمنطقة العربية بالذات، الى جانب صياغة سياسية خارجية متطابقة مع التوجهات الامبريالية ازاء المنطقة العربية وفي مقدمتها تثبيته الذي يستدعي اخراجه من العزلة التي يعيشها وبالتالي ارغام العرب على القبول به كامر واقع بمختلف الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية من جانب آخر، بادرت الحركة الصهيونية العالمية، على ضوء ذلك لاعادة تنظيم صفوفها على المستوى السياسي والتنظيمي والدعائي، واقامت شبكة واسعة من التنظيمات اتخذت اسماء صهيونية علنية او جماعات خيرية او مهنية او دينية تخضع جميعا لاشراف (الكونغرس الصهيوني العالمي) الذي اتخذ من القدس المحتلة مركزا له، باعتباره اعلى هيئة صهيونية اخذت على عاتقها مهام اختيار جميع قيادات الافرع على قاعدة ان نسبة 40% منهم من المركز و30% من المنظمات الصهيونية الاميركية و30% من بقية بلدان العالم.
ومن اجل تسهيل وتوسيع انتشار النفوذ الصهيوني في الاوساط اليهودية جرى تسهيل شروط العضوية، بحيث يحق لكل يهودي بلغ الثامنة عشرة الانتساب الى الحركة، ثم جرى تبديل العضوية الفردية بالعضوية الجماعية بعد ذلك.
رغم ذلك، وضع بن غوريون، على راس اولوياته هدف ضرب مصر، ومقاومة تأثيرها في الوطن العربي، وخاصة في المغرب العربي، فقد بادر الى عقد لقاء مع (غي موليه) قبل العدوان الثلاثي على مصر بثلاثة اشهر، قال بعدها: "انه بهذه الصورة (التحالف مع فرنسا وبريطانيا) تعود فرنسا لتحصل على موطئ في الشرق الاوسط بواسطة “اسرائيل” وسيخرج الغرب كله مسرورا بما فيه الولايات المتحدة، وسيستعيد الانجليز نفوذهم في العراق ويطمئنون على مصادرهم النفطية"، ورغم اخفاق العدوان الثلاثي على مصر، حاول بن غوريون مجددا الاستفادة من الدعم الفرنسي للدخول في حلف شمالي الاطلسي غير ان (مشروع دلاس البريطاني) لاقامة حلف بغداد بين الانظمة العربية الموالية للغرب، قد شجع بن غوريون على العدول عن محاولته الدخول في حلف الاطلسي. وفي ظل هذه الاوضاع جاءت حرب حزيران التي اعتبرت نقطة تحول في تاريخ الكيان وبداية غير معلنة للتحالف العضوي المكشوف بينه وبين الولايات المتحدة التي اضحت لا تخفي اهدافها في السيطرة الكاملة على المنطقة والحؤول دون وحدتها السياسية والاقتصادية.
تطابق الاهداف الاميركية مع الدور “الاسرائيلي” واخراج مصر من دائرة الصراع
اصبح هاجس الولايات المتحدة، على ضوء نتائج حرب حزيران، والاهمية المتزايدة لمنطقة الشرق الاوسط والوطن العربي على نحو خاص، وبروز كتلة عربية كبيرة وممانعة تشكل طوقا محكما حول الكيان الصهيوني وبعد ان اصبحت (ازمة النفط) احدى سمات تلك المرحلة.
اصبح الهاجس الاميركي والصهيوني هو (اخراج الكتلة المركزية الممانعة) من دول الطوق من دائرة الصراع، وتأمين وجود الكيان او دوره الريادي في منع أي تكتل او تجمع مجابه فقد عبر موشيه دايان عن ذلك بوضوح بقوله: "اننا لدينا الاستعداد الكامل لاعطاء مصر جزيرة سيناء كاملة مقابل عقد صلح منفرد معنا" من جانب آخر، تأثرت سياسة الكيان بالاستراتيجية الاميركية في تلك الفترة المعروفة بسياسة الوفاق بين الشرق والغرب، وكان على سياسة الكيان الا تتناقض مع مرتكزات الاستراتيجية الاميركية، ويقول اسحق رابين: لقد حدد الامريكان موقفهم نهائيا حيال النزاع في الشرق الاوسط، وجرى خلال اللقاء الذي حصل بين غولدا مائير ونيكسون الاتفاق على خلق الشروط التي يمكن للطرفين ان تؤمن لهما اخراج مصر من دائرة الصراع الى الابد.
نشبت حرب اكتوبر التي تمكن العرب خلال ايامها الاولى من ان يلحقوا هزيمة نكراء بالمشروع الصهيوني، وعرضته النتائج التي تمخضت عنها الى اشبه بزلزال عنيف على كافة الصعد.
من جانب آخر عمقت نتائج الحرب ازمة الكيان، والحركة الصهيونية على نحو كبير الامر الذي دفع (ناحوم غولدمان) رئيس الكونغرس الصهيوني للقول بان الحركة الصهيونية ارتكبت خطأ استراتيجيا عندما دخلت المنطقة العربية من الابواب الغربية، وكان على اليهود العمل على تفهم حاجتهم للعيش بين العرب كدين وليس كمشروع قومي الى جانب عزل الكيان سياسيا في كافة المحافل الدولية وخصوصا الامم المتحدة، حين بلغت تلك العزلة اوجها في القرار الذي اصدرته الجمعية العمومية للامم المتحدة (3379) الذي اعتبر الصهيونية احد اشكال العنصرية.
الكيان الصهيوني والتسوية
احدثت التحولات الكبرى التي شهدها العقد الاخير من القرن العشرين، وخاصة انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، تأثيرات هائلة وكبيرة على العالم ومنطقتنا العربية بالتحديد. واحدثت خللا كبيرا في موازين القوى لصالح الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مما اثر بالتالي على اشكال وطرق ادارة الصراع العربي ـ الصهيوني، بحكم تصدر الولايات المتحدة زعامة العالم، وضعف العوامل الذاتية العربية كتآكل النظام العربي الرسمي، وتراجع قوى المواجهة العربية وفي مقدمتها (م ت ف) التي انحازت قيادتها الى الخيار الاميركي مبكرا وارتهانها بشكل كبير لذلك الخيار بعد ذلك، الامر الذي ترك تأثيراته المباشرة على الفعل الانتفاضي داخل فلسطين والمقاومة حولها.
ولقد كانت الدعوة الاميركية لعقد مؤتمر (مدريد) لا تجافي حقيقة ما ذهب اليه ما وصفه بعض السياسيين العرب بان (مدريد) يمثل (سايكس بيكو) اميركي وعلى نحو اكثر احكاما حين عبر الرئيس الاميركي عشية توجهه لافتتاح اعمال المؤتمر موجها كلامه للعرب "بان عليهم ان يتخلصوا من حلم القومية العربية، والا يفكروا بعد الان بانهم امة واحدة" بينما عرض الكيان الصهيوني نفسه خلال ذلك المؤتمر على انه الطرف الوحيد المؤهل للامساك بالمنطقة باشملها باعتباره اصبح جزاء منها، وانه القوة الوحيدة القادرة على فرض وحماية التسويات مع كل طرف عربي على انفراد، في حين فشلت كل محاولات العرب للذهاب الى المؤتمر ولو بالحد الادنى من الموقف الجماعي المطلوب مما عكس نفسه على شكل المفاوضات على ما اصطلح عليه مسارات التسوية مع العرب، الامر الذي ساعد الطرف الاقوى (الكيان الصهيوني) بالارتكاز الى الدعم الاميركي المطلق، في البحث عن الحلقة الاضعف من السلسلة العربية الضعيفة، من اجل فتح الطريق امام الاتفاقيات المنفردة مع الاطراف العربية كل على حدة. فكان (اوسلو) يشكل (اكبر تحول ايديولوجي) في العصر الحديث على حد تعبير شمعون بيرس الذي وضع برنامجه (الشرق الاوسط الجديد) كتعبير مباشر عن الاستراتيجية الصهيونية ـ الاميركية المشتركة من اجل تأمين (الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط لمائة عام على الاقل) من وجهة نظر وزير الدفاع الاميركي ويليام كوهين.
الشرق اوسطية الغاء لمفهوم الوحدة العربية
فالشرق الاوسط الجديد، الذي يطمح الاميركيون والكيان الصهيوني الى تحقيقه، ينبغي له ان يقوم في بعده السياسي، على مركز قوي قادر على حماية التسويات السياسية بالقوة العسكرية، وصولا الى بناء سور السلام المنيع حول "الكيان الصهيوني" المركز القائد للشرق الاوسط الجديد، اضافة للبعد الاقتصادي باعتبار ان البنى الاقتصادية الصهيونية هي بنى قوية مقارنة بالبنى الاقتصادية العربية الضعيفة.
فمثلما يتطلب الشرق الاوسط الجديد من وجهة النظر الصهيونية للسلام والتطبيع الشامل مع العرب فانه يحتاج الى بنى اقتصادية قوية والبنى الاقتصادية العربية لنتخلص من ضعفها الدائم، اذا حاولت اصلاحه حسب المفهوم العربي، فالديناميكية الاقتصادية اليهودية هي الكفيلة بمساعدة العرب في ضعفهم الاقتصادي، وهو الذي سيحقق لهم الرفاه الاقتصادي (حسبما يقول القائم باعمال السفارة الصهيوني بعمان).
فاذا ما فتحت الحدود شرقا وشمالا امام الكيان، فسيصبح الشرق الاوسط الجديد، ليشمل بلدان الشرق الاوسط جميعها العربية وغير العربية اذا ما تم تحقيقه من وجهة نظر القائمين على تلك الاستراتيجية، قد تجاوزت دول المنطقة، من خلال سعيها الذي يهدف الى تطويق الامة العربية وما تبقى من القوى المواجهة سورية، ولبنان المقاوم والقوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية كالحلف الاميركي ـ التركي ـ “الاسرائيلي” وكذلك التأثير المصري والليبي في القارة السوداء كمحاولة اقامة حلف (اثيوبي ـ اريتري ـ “اسرائيلي”) في حين اخذت جميع مراكز البحث والدراسة في الكيان الصهيوني، تضع الخطط والدراسات التي من شانها اثارة الكوامن الطائفية والعرقية والدينية في الوطن العربي، وفي الوقت الذي اقام الكيان (مركز دراسة العلاقات اليهودية ـ البربرية) "مركز الدراسات اليهودية ـ القبطية واليهودية ـ الاشورية وما الى ذلك" اضافة الى مشاركة الكيان الصهيوني الفعالة، في مؤتمر الاقليات الدينية الطائفية والقومية في الوطن العربي، المطالبة بالاستقلال مثلما لم يخف احد البحاثة الصهاينة في المجال الاستراتيجي، رغبته بان تصبح هضبة الجولان ليس حاجزا بين الكيان الصهيوني وسورية فحسب وانما حاجزا بين الكيان وفلادوفيستك في روسيا الاتحادية.