[29 Jan 1998 ] Article No : 251  
حديث الملك فيصل بن عبدالعزيز عن الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود
بعد اربعة ايام من اليوم تدخل المملكة العربية السعودية عامها التاسع والتسعين لانشائهابعد ان منَّ الله سبحانه وتعالى على جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه في الخامس من شهر شوال سنة 1319ه باسترداد ملك أجداده الذي ضاع في الرياض قبل احد عشر عاما معلناً بدء صفحة جديدة لسائر اجزاء الجزيرة العربية ومعلناً قيام الدولة السعودية الحديثة
فما الذي هيأ للبطل عبدالعزيز السبل لدخول هذه المغامرة التي أيقن هو بعواقبها الحميدة والتي بدأها بدخول الرياض قبل 99 عاما لا شك أن لنشأة البطل في ذلك اسهما هيأت عبدالعزيز وقوت عزيمته لاسترداد ملك آل سعود في الجزيرة العربية
فقد ولد جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في التاسع عشر من شهر ذي الحجة عام 1293ه في بيت أبيه الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود بمدينة الرياض، ذلك البيت الذي اسس على التقوى والاعتصام بالله وحده ونمت فيه شجرة التوحيد الخالص ونشأ وترعرع في ظل ابويه وهو لا يسمع ولا يرى الا ما تعمر به النفس من الايمان المتين والتوحيد الخالص الايمان بالله الذي امتلأ به قلب عبدالعزيز فملك عليه حبه وامتلك مشاعره ذلك الايمان الذي انشأ عبدالعزيز واخرج منه للجزيرة العربية بطلا من أبطالها ومصلحا وداعيا من مصلحيها ودعاتها
ولد الملك عبدالعزيز في الرياض وعاش الأيام الاولى من عمره في الكويت ولم يدخر من أبويه مالاً يسترجع به ملك آبائه واجداده ولا قوة من الرجال ولا عدة من عدد الحروب فكل ما ورثه من آبائه هو علم تعلمه لمكافحة الزمان فقد ورث المواعظ وأدب القرآن فامتلأ قلبه من حب ربه فأقام الحدود والتزم الناس بعد ان عهده أبوه الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود في صباه الى القاضي عبدالله الخرجي فتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ سورا من القرآن وقرأه كاملا على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف كما انه حمل السيف ولعب به وركب الخيل وامتطى النياق والتف حول رفاقه فكان المتقدم عليهم وعوده على ان يستيقظ قبل الفجر للصلاة ووجهه للرياضة وأدبه بآداب آل سعود كما شهد في صباه بعض المعارك لدى اغتصاب بلاده نجد قبل ان ينتقل لدولة الكويت
كما كان لوالدته سارة بن احمد السديري فضل في توجهه
وإضافة إلى تلك المزايا التي هيأت عبدالعزيز للبطولة نستشهد ايضا بكلمة جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله كما جاءت في كتاب شبه الجزيرة في عهد عبدالعزيز حيث قال: ليس من حقي ان اتحدث عن والدي كملك لأن ذلك من حق التاريخ وحده وربما كان غيري أقدر مني على إنصاف رجل عظيم مثله بنى ملكا بعصاميته وحفظ للعرب تراثا مجيدا في البلاد المقدسة وأقام الامن والنظام في بقاع كانت تسودها الفوضى ويهددها الخوف في طرقها وارجائها وتتألف من مقاطعات وامارات وقبائل شتى في مساحات واسعة
غير انني استطيع ان اذكر بعض مزاياه التي هيأت له ان يبني هذا الملك وان يشيد هذا الملك والسلطان ولم تصرفه عن تحقيق أهدافه
وأولى هذه المزايا التي يتصف بها والدي قوة الايمان، فما رأيته منذ نشأت قد ضعف إيمانه بالله او تخلى عن ثقته بنصر الله وقد اصيب في عنفوان صباه بضياع امارة ابيه عبدالرحمن الفيصل على الرياض وسقوطها في ايدي منافسيه ومضى يقول ما كاد عبدالعزيز ان يستعيد جيش أبيه الصغير في ذلك الحين حتى هب لاستعادة بلاده تحدوه قوة ايمانه وقد صمم على الموت او الفوز بالرياض حتى اعادها وأعاد اليها مجد آبائه
وثاني هذه المزايا التي يتسم بها جلالته قوة إرادته وشجاعته التي تبرز في احرج المواقف وأدق الظروف
وثالثها حكمته وأناته في معالجته لأمور دولته وهو يتوخى حل المشاكل بالسلم اولا كما انه متسامح مع خصومه واسع الصدر لا يدخر وسعا في استخدام المرونة ووسائل اللين ولا يلجأ إلى الشدة حتى يستنفد هذه الوسائل
وأذكر أنه لما وقعت بينه وبين الامام يحيى إمام اليمن لم يتعجل الشدة وجعل يحاول حل ما وقع بينهما من خلاف باللين والحلم حتى كدنا نحن ابناءه ورجال دولته ان نرميه بالضعف فلم يعبأ بنا وسار في طريقه الى الحد الذي لا ملام عنده للائم ثم اضطر الى السيف اضطرارا وعندما توسط سادة العرب بين الملكين كان سريعا الى الكف عن القتال
وقد تم بفضل سياسة الحكمة والحزم التي يسير عليها في ادارة بلاده الواسعة إقرار الامن فيها على منوال غير معروف في اكثر البلاد حضارة ومدنية فاطمأن الناس على ارواحهم وأموالهم حتى ندر وقوع الحوادث العادية والفضل في ذلك يقظته الزائدة وأخذه المجرمين بالشدة وأما جلالته كأب فأستطيع ان أقول ان كل فرد في شعبه يعتبره أباً له لما عرف عنه من عنايته بأبناء رعيته وعطفه الكبير وحنانه الواسع
ان والدي في تربيته لنا يجمع بين الرحمة والشدة ولا يفرق بيننا وبين ابناء شعبه وليس للعدالة ميزانان يزن بأحدهما لأبنائه ويزن بالآخر لأبناء الشعب فالكل سواء عنده والكل ابناؤه، واذكر ان احد اخوتي الاطفال اعتدى على طفل آخر فما كان من جلالته الا ان عاقبه ولم يشفع له انه ابن الملك
وليس لشفقة والدي وحنانه على ابنائه وأحفاده حدود بل يغمرهم بعطفه في كل آن وهو يحب ان يراهم يوميا وخاصة صغارهم فيجتمعون بعد المغرب كل يوم في قصره ويجلس اليهم فيلاطفهم واحدا واحدا ويقدم اليهم الهدايا والحلوى
ويحب جلالته المباسطة على المائدة خلال تناول الطعام ويمازح ابناءه وجلساءه ويحادثهم احاديث طلية لا اثر للكلفة فيها ويعاملهم معاملة الصديق للصديق ويحب جلالته الانتفاع بالعلوم الحديثة ويرى أن نأخذ من المدنية افضل ما فيها ونترك مساوئها
وجلالته متفائل بالتعاون القائم بين رؤساء الدول العربية وقادتها وشعوبها ويرى ان جامعة الدول العربية خير وسيلة في العصر الحديث لجمع كلمة العرب والدفاع عن حقوقهم وتضامنهم في كل ما يعرض من مشاكل اما قضية فلسطين فهو متفق مع ملوك العرب ورؤسائهم في آرائهم وأهدافهم بشأنها، ومن رأيه ان مشاكل البلاد العربية الاخرى كالجزائر وتونس ومراكش وغيرها ينبغي ان تحل وان تنال هذه البلاد حريتها واستقلالها غير ان معالجتها لا تكون جملة بل تكون على مراحل والزمن كفيل بتحقيق الاماني
* * *
بقي ان نقول ان جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود قد توقف في مثل هذا اليوم من عام 1319ه في ابوجفان على طريق الاحساء في طريقه من الكويت لاستراد الرياض حيث أمضى فيها أيام العيد الثلاثة قبل ان يواصل مسيرته نحو الرياض
ولنا وقفة في ثالث أيام العيد مع حياة الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله وفي الرابع من شوال لنا وقفة بإذن الله مع حياة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله
إعداد/ أحمد الزويدي