[22 DEC 1998 ] Article No : 111
ذكرى المائة عام للمِّ الشمل وتوحيد الوطن

انه الملك عبدالعزيزبن عبدالرحمن الفيصل آل سعود القائد الموحّد الذي استطاع ان يوحّد مساحة من اكبر مساحات الوطن العربي الكبير رغم عدم توفر قوة المال او

قوة الجيش، انه الرجل الذي يتمتع بقوة الايمان والعبقرية القيادية الذاتية الفريدة وصانع المعجزات, لقد كانت شبه الجزيرة العربية قبل هذا القائد الموحّد- رحمه الله- تضم تجمعات سكانية صغيرة ومتباعدة في مواقعها يفصل بين هذه التجمعات القروية وشبه القروية قبائل البادية التي يهيمن عليها طابع الغزو والنهب كأس لحياتهم الاقتصادية اليومية التي تفتخر به في حاله انتصارها وتتوعد بتكراره في حالة هزيمتها، حتى اصبحت هذه الظاهرة سمة تتميز بها هذه القبائل في مساحات جغرافية معينة ومحددة، ولاتستطيع مغادرتها الى جهة اخرى الا بطرق الغزو او بتقديم ما يضمن مجيئها المسالم لأرض القبيله الاخرى, وعادة لايحصل هذا النزوح الا في حالة الرعي والكلأ وسقوط الامطار في ارض دون اخرى، مما يضطرهم الى مغادرة ارضهم القاحلة من اجل رعاياهم الى الأرض المخصبة في هذه الحالة تلتزم هذه القبيلة الوافدة بتقديم مايضمن تعايشهم بسلام الى القبيلة الاخرى صاحبة الارض الممطرة خلال مدة مكوثها في ارض القبيلة المضيفة, هذه الظاهرة وغيرها من العادات والطقوس القبلية الاخرى كانت معروفة لدى الملك عبدالعزيز رحمه الله، لأنه ابن الارض الذي نشأ وترعرع فيها وتعلّم اطباعها وحياة اهلها, كما ادرك هذا القائد الموحّد الذي استمد قوته من تطبيق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، انه لايمكن التأليف والتقارب بين هذه الامة التي تعيش في قرى متنائية وبين قبائل متناحرة الا بتوحيدها تحت شعار لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله, وهو الشعار الذي اخذت تهفو اليه القلوب وينبذ التكتل القروي والتعصب القبلي، كما انه ليس من السهل على اي شخص كائن من كان ان يتصور ثقل العمل وضخامة المهمة التي قام بها الموحّد الراحل طيب الله ثراه,لقد ادرك رحمه الله وقتها قول الله سبحانه وتعالى:( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) الآية 7 من سورة محمد, وهكذا بدأ القائد مسيرته التوحيدية بنفر قليل من المؤمنين بمنهجيته التي بدأت برحلة شاقة من الكويت حتى وصل بوابة الرياض وتم له الانتصار وذلك عام 1319ه, أخذ الناس بعدها يستبشرون بقدوم يوم جديد ويسعون بلهف الى المناصرة والمبايعة, اما الذين بقوا في تحديهم لهذا الشعار الجديد فقد غزتهم جيوش عبدالعزيز التي التفت حوله وناصرته لمعرفتهم التامة بصدق الكلمة وحسن النية التي ارادها هذا القائد الباني، والتي جاءت مكملة لما قام به آباؤه واجداده من قبل, هذا الشعار الذي حكّم كتاب الله وسنة رسوله، وجعلهما الدستور الذي يحتكم اليه كل مواطن بصرف النظر عمن هو والى اي قبيلة او قرية ينتمي, فهو الدين الحنيف الذي وأد الحقد والعداوة والبغضاء بين الناس، وجعلهم امة واحدة ينتمون الى بقعة واحدة ويحكّمون كتابا واحدا وهو القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه افضل الصلاة والتسليم, لقد توالى النصر بعد النصر الى ان تم توحيد المملكة العربية السعودية على يد القائد الموحّد عام 1932م, ومن هنا اخذ الناس يتعايشون بسلام ووئام بعد فرقة وشتات حتى منّ الله عليها ونشر الوعي الإسلامي,, تحت قيادة حكيمة نذرت نفسها لبذل الغالي والنفيس في سبيل استتباب الامن والاستقرار في تطبيق الشريعة الإسلامية،وحتى حققت امنية كان كل مواطن يحلم بها, وبعد ان كلل له الله سبحانه هذا النصر الكبير لتوحيد المملكة العربية السعودية, أفاء الله عليه بنعمة اخرى وهي البترول الذي لم يكن احد يعرف عنه وحتى تلك الدول العظمى التي كانت تجوب أراضي دول العالم الثالث وتحل الاستعمار مكان الآخر بحثاً عن مصادر المواد الخام لتموين مصانعها التي اخذت في النموبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى, وهذه حكمة الله في ارضه ان منّ الله على هذه البلاد تحت قيادة فارسها المغوار وحماها ومقدساتها من دنس هؤلاء المستعمرين, انها القيادة الحكيمة التي جعلت كلمة الله هي العليا حتى تحقق هذا النصر الذي نجني ثماره حتى يومنا هذا وبعد رحيل القائد الموحّد الى جوار ربه، بويع الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله الذي شارك مع والده في آخر فتوحاته حيث كان مولوداً عام 1319ه ايام فتح الرياض,كما ساهم بدوره بعد والده في تأسيس اول مجلس وزراء وبناء اوائل المؤسسات الحكومية القائمة الآن وبذل الكثير من وقته وجهده في متابعة مسيرة الخير والنماء تمثلت في زيارات القرى التي اصبحت مدناً وأخذت في النمو بعد تصدير البترول بكميات كبيرة نسبياً وكانت زياراته قد شملت مواقع البادية والبذل السخي في كل موقع يزوره، حتى توفاه الله, وجاء بعده الملك فيصل -طيّب الله ثراه- الرجل السياسي الذي ساس بلاده بالحكمة والتريث، في الوقت الذي اخذت اطماع بعض الدول تظهر بين الحين والآخر، ولكن حسن تدبيره وتصرفه الذي اصبح يضرب به المثل في المحافل الدولية جعل هذه الاطماع تتبدد وتنتهي مما مكّنه من وضع اول خطة تنمية للبلاد عام 1970م , وقد واصل المسيرة من بعده الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- الذي كان مثلاً في العطاء والسخاء وسماحة الخلق، كما شرع في اقامة المشاريع التنموية وزيادة المؤسسات الخدمية الحكومية غير ان الوقت لم يمكث به طويلاً, لقد بويع من بعده رائد النهضة الحديثة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز- أمد الله في عمره- واستمر في بناء وتمويل الخطط الخمسية المتوالية حتى اليوم والتي اخذت تغير في شكل وجوهر المملكة العربية السعودية, فتقاربت المدن بشبكة مواصلات تربط كل مدينة وقريه بأخرى, وشبكة كهربائية تمتد في طول البلاد وعرضها حتى اصبح كل مواطن ينعم بها في كل مكان من المملكة، وهذا مما يستدعي زيادة عدد الوزارات والمؤسسات الحكومية لكي تواكب توسع الخدمات التي عمّت كل مرفق من البلاد، مثل البرق والبريد والهاتف والبلديات والشئون القروية والتعليم العالي وبنوك التنمية العقارية والزراعية والصناعية وغيرها، وقد اخذت كل من هذه المؤسسات دورها في تنويع وتوزيع الخدمات كل في مجاله حتى وصلت لكل مواطن وبذلك تحققت الانجازات الحضارية الكبرى في التعليم والزراعة والصناعة وحتى في توسعه المقدسات والخدمات الكبيرة الاخرى التي لانستطيع حصرها والتحدث عنها جميعاً وبالتفصيل في هذه السطور المختصرة, إن المملكة العربية السعودية الآن تضم اكثر من 4 ملايين طالب وطالبة في مدارسها التي تنتشر في كل مدينة وقرية والتي مكنت كل مواطن من تعليم ابنائه دون عناء وبالمجان يذهب ابنه او ابنته الى مختلف المدارس والتخصصات في المدارس العامة والجامعات والمعاهد والكليات المهنية والتقنية, لقد كان عدد المدارس بالماضي وبالتحديد في عام 1951م لايتجاوز (226) مدرسة بها 29887تلميذاً ولكنها وصلت في عام 1417م الى (5838) مدرسة ابتدائية يدرس بها (1,178,596) طالباً و (2796) مدرسة متوسطة ينضم اليها (492962) وكذلك (1252) مدرسة ثانوية يدرس بها (365689)طالباً، فضلاً عن عدد الطلبة في الدراسات الجامعية والعليا وكذلك الكليات التقنية ومعاهد التدريب المهني, بالاضافة الى ان هناك في نفس العام 1417ه (2,049,729) من الطالبات يتلقين التعليم في (11921) مؤسسة تعليمية, ان هناك بالمملكة العربية السعودية اكثر من ( 24,448) ميلاً من الطرق الرئيسية و (53,317) ميلاً من الطرق الفرعية, والمنجزات التي قامت بها المملكة في هذا القطاع تضاهي ما هو موجود في العالم الصناعي, فجسر الملك فهد الذي يعتبر ثاني أطول طريق بحري في العالم بطول 15,5ميل ويربط المملكة بدولة البحرين مثال واضح للانجازات السعودية في هذا المجال,, ان هناك ايضا اكثر من ثلاثة الاف مصنع منتج ويغطي رأسمالها أكثر من 229 مليار ريال ويعمل بها اكثر من 282 الف عامل وتصدر الى مائة وثماني عشرة دولة, وتبلغ استثمارات مصانع سابك فقط اكثر من (68)بليون ريال بالاضافة الى زيادة أخيرة بلغت 10 بلايين دولار لرفع طاقة الانتاج الى 50% وتمتلك سابك لوحدها التي أُنشئت عام 1976 برأس مال اولي بلغ نحو 2,6مليار دولار خمسة عشر مصنعاً عاملاً بالمدن الصناعية في كل من الجبيل وينبع وجدة ولديها ستة عشر مصنعاً عاملاً بالمدن الصناعية في كل من الجبيل وينبع وجدة ولديها ستة عشر مصنعا آخر تحت الانشاء,كما ان المملكة العربية السعودية قد انفقت على توسعة ومشاريع المشاعر المقدسة اكثر من 50 مليار ريال, وتجدر الاشارة الى ان المنجزات السعودية في الطاقة والصناعة والزراعة والنقل والمواصلات والصحة والرياضة والتعليم تمثل واحداً من اسرع واشمل برامج التطور في البنية الاساسية والاقتصادية والبنائية التي شهدها التاريخ البشري المعاصر,ان هذه الانجازات الكبيرة في الكم والكيف لاتستطيع اي دولة في عمر المملكة العربية السعودية ان تحققها في هذا الوقت الذي لايتجاوز في مجمله خمسة عقود, وكما كانت المملكة العربية السعودية منذ عهد مؤسسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود عضواً نافعاً وفاعلاً في علاقاتها الثنائية مع الاشقاء والاصدقاء وفي كل الهيئات والمنظمات الاقليمية والدولية فإنها اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين تواصل هذا النهج وتعمل من اجله ليعم الخير والرخاء والعدل والاستقرار ربوع العالم، قائمة بالجهود الصادقة والمخلصة في سبيل ذلك ومؤيدة لمن يجعل هذا الطريق السديد طريقه, واذا كنا اليوم نقطف ثمار تلك الخطوات من خلال هذه المعطيات الحضارية التي يقودها خادم الحرمين الشريفين وفي مختلف المجالات, والتي كان آخرها اعادة صياغة التكوين للنظام الاساسي والشورى بما يتفق والوعي العام، الذي كان يمثل حتمية النتيجة لمعطيات التعليم وتطور الفكر الاجتماعي وبزوغ العديد من الكوادر الوطنية المؤهلة والقادرة على تفعيل مؤسسات الدولة فإننا في نفس الوقت سنواجه هذه الاستمرارية الرائعة للتكوين الحضاري التي ستظل تستجمع قوى الوطن وامكاناته وثرواته الانسانية والمادية ليخوض بها المعركة معركة العصر وهي معركة التحدي الكبير وسط امتداد الكيانات الاقتصادية والسياسية العالمية, وهذا مما جعل معارك عبدالعزيز الوحدوية تستمر ولكن بصيغة اخرى صيغة تتناسب مع معطيات العصر الحديث حيث يقودها خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله باتجاه تنمية الوطن التي أرسى جذورها وحافظ على مكتسباته وتكريس موقعه اقتصادياً وبالتحديد لدفع عملية التنمية فيه واستغلال موارده في خدمة معركة التنمية الشاملة وبناء الإنسان ودعم قضاياه ومواقفه تجاه الامة العربية والاسلامية, لقد وجدت نفسي امام مقابلة مدهشة امتزجت فيها ذكرى المائة سنة من دخول الملك عبدالعزيز مدينة الرياض مع ذكرى ميلاد والدي رحمه الله بهذه السنة 1319ه, لذا فقد اصبحت هذه الذكرى بالنسبة للمواطن السعودي تشكل يوم فخر واعتزاز بما انجزه الملك الموحد الراحل، اما بالنسبة لي فإن هذا اليوم لايذكرني فقط بعظمة ماصنعه صانع المعجزات والقائد الموحد من اعمال جليلة يتسامى معها ويعتزبها كل مواطن سعودي بل يذكرني ايضا بمساهمة والدي -رحمه الله- مع قادة هذه البلاد الغالية ومابذله من جهد واخلاص تجاه وطنه حتى توفاه الله، هذه المناسبة تذكرني بما قصه علينا من مشاركاته مع الملك عبدالعزيز وتحت قيادة الامير فيصل بن عبدالعزيز رحمهما الله, لقد جاءت الذكرى المئوية وقفة تأمل واستذكار لما كنا عليه وما نعيشه اليوم حاضراً ومستقبلاً بحول الله نستزيد من هذه الوقفة المتأملة شكراً للمولى جل  وعلا على ما افاء به علينا من نعم كثيرة, واملنا كبير في المستقبل ان شاء الله كثقتنا بما ضينا وحاضرنا المشرقين, سائلين الله عز وجل ان يوفق قائد هذه النهضة العملاقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الامين صاحب السمو الملكي الامير عبدالله بن عبدالعزيز وسمو النائب الثاني صاحب السمو الملكي الامير سلطان بن عبدالعزيز والمخلصين في هذه البلاد وان يمد الجميع بعونه لتحقيق المزيد من الخير والرفاهية لهذه البلاد الغالية,

،*عضو مجلس الشورى

د, بدر بن حمود العماج*