[21 SEP 1998 ] Article No : 113
سميت باسمه تخليداً لذكراه العطرة
العين العزيزية مؤسسة خيرية أوقفها الملك عبدالعزيز لتغذي جدة والحجاج بمياه الشرب
،* جدة - أحمد سعيد العمري

مدينة جدة الرحبة الارجاء هذه المدينة ذات الحدائق الغناء والميادين النضرة الفيحاء، وذات الشوارع المسفلتة المزدانة باضواء الكهرباء، وذات العمارات السكنية الشامخة والفيلات المكيفة الهواء المنسقة العصرية الطراز تقوم على اطراف الشوارع المشجرة، كالعرائس الحسناء وذات المعارض المتوهجة بأنوار النيون الملون الرائع الجذاب- هذه المدينة الكبيرة اليوم، والصغيرة بالأمس القريب ، هذه المدينة العتيقة بكل معنى الكلمة فيما مضى من الزمن والتي تحولت الى مدينة ضخمة جديدة في سرعة مذهلة بالنسبة لعمران المدن، هي في واقعها الحاضر الزاهر مدينة في نموها وفي تطورها ويرجع ذلك - بعد الله تعالى للملك المغفور له عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود موحد هذه المملكة, فقد وهب الله مدينة جدة بعبد العزيز هذا الكيان المرموق المشرق واخرجها من هوة القلق والعطش والظمأ والمعاناة الى ميادين البهجة والفرح والسرور والسعادة والاطمئنان وذلك حينما وهبها يرحمه الله العين العزيزية فأدخل الملك عبدالعزيز - يرحمه الله- بهذه العين روح الحياة الى كل مواطن بشربة من الماء العذب وأنقذ جدة ومواطنيها من معاناة المياه فعندما نتحدث عن الملك عبدالعزيز وعلاقته بجدة نعلم ان العين العزيزية هي هبة الملك الراحل عبدالعزيز - ومدينة جدة هي هبة العين العزيزية فعندما نتحدث عن الملك عبدالعزيز وتلك الاعمال الجليلة التي قام بها رحمه الله فإننا لانستطيع ان نفي بحقه وخصوصاً فيما قدمه لأهالي جدة بل وإلى الامة الاسلامية ووطنه وشعبه الوفي والملك الراحل هبة وهبها الله لهذه البلاد ليجمع شملها ويوّحد كلمتها, فأحب هذا الشعب وقدم كل ما في وسعه لرفاهيته فبادله شعبه بالمثل,ومن ابناء هذا الشعب الوفي - السيد حسين محمد الصافي رئيس العين العزيزية بجدة- والذي حدثنا عن مآثر الملك عبدالعزيز واعماله الجليلة فيما قام به من اعمال خيرية لأهالي مدينة جدة هذه المدينة التي لها من العمر مايقارب الفي 2000 عام الى الآن حسب ما أفادت مصادر التاريخ هذه المدينة التي اعتراها تقدم وتأخر، امتداد واضمحلال فاستكملت مرافق الحياة ورفاهية العيش بعد الجدب والضنك منذ امر الملك عبدالعزيز بدخول هذه العين المباركة اليها فنمت الطاقة الحيوية واستبشر اهل جدة بالخير,وحول موضوع العين العزيزية ووقفها كوقف خيري من الملك المؤسس يسعدنا ان نسلّط الضوء عليها كجزء من أعمال الملك المؤسس - يرحمه الله - حيث يحدثنا رئيس العين العزيزية الحاصل على شهادة الثانوية العامة من مدارس الفلاح عن الملك عبدالعزيز وكيف اعطى من ماله وجهده لأهل جدة من اجل إيصال شربة الماء اليهم  قائلاً: ان الحصيف المنصف لايمكنه بحال من الاحوال ان يقارن بين تينك الفترة التي عاشتها جدة قبل الملك عبدالعزيز وهذه الحياة الحافلة بكل رغائب الحياة الرافهة في المدينة التي تحققت بفضل الله تعالى ثم برعاية الموحد خالد الذكر الملك عبدالعزيز آل سعود - طيب الله ثراه- الذي تصدت همته الشماء لجلب الماء من مسافة 65 كيلومتراً من وادي فاطمة بعيد المسافة والغزيره بالمياه ومن الحق ان نشيد بأن جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله كان له قسط وافر واسهام كبير في دعم هذا المشروع الخيري الذي اهداه والده المغفور له ان شاء الله للأمة حيث قدوم الحجاج من كل حدب وصوب لجدة ثم للأهالي في جدة، وبالفعل فإن مشروع العين العزيزية في مدينة جدة كان من اهم المشروعات وأجزلها خيراً وأعمها فائدة ونفعاً, وفي سؤال للجزيرة عن بداية العين العزيزية مع الملك عبدالعزيز أجاب شيخنا الفاضل/ السيد حسين محمد الصافي شارحاً معاناة جدة مع الماء منذ القرن الهجري العاشر حيث اهتم السلطان قانصوه الغوري بمعالجة أزمة الماء المستفحلة في جدة فقرر جلب عين لها جارية- تنقذها من هذه الازمة المستحكمة في عهده فأجرى المال الكثير والدراسات المستفيضة فكان جلب العين من وادي قوص شمال الرغامة شرقي جدة الجنوبي من تحت جبال هناك, وسرعان ما انقضى عهد السلطان قانصوه وخلفه عهد الدولة العثمانية سنة 923ه - 1517م واستمر جريان العين القوصية حتى القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي فانقطعت العين، ثم أصلحت وأعيدت، ثم انقطعت مرة اخرى في القرن الثالث عشر الهجري, وفي سنة 1270ه نهض التاجر الُجدّيّ: فَرج يسر، يجمع اعانات من تجار جدة واغنيائها لاصلاح هذه العين واجرائها من جديد فتم له ذلك وفاضت مياهها الى جدة واستمرت 34 سنة اي الى عام 1304ه 1884م- فاهتمت حكومة السلطان عبد الحميد الثاني بإيصال العين الوزيرية وبدايتها كانت نهاية عين الغوري - ومنبع عين الوزيرية هو من بئر الوزيرية التي تقع الى الشرق من مدينة جدة بالكيلو الحادي عشر, وكان في هذه العين شيء من الملوحة بسبب قرب مصدرها من جدة - وكانت تتأثر بالامطار فإذا كثرت الامطار عذبت مياه العين واذا قلت الامطار ملحت, وقد نظمت العين تنظيماً شبه حديث - فقد بنيت لها خزانات وبرك ووزعت مياهها في قنوات من انابيب على احياء المدينة توزيعاً حسناً، ثم انقطعت هذه العين في سنة 1327ه - 1909م وفكرت الحكومات المتتالية: العثمانية ثم الهاشمية فالحكومة السعودية في اعادة اجرائها - فكانت تصلح فتجود بالماء حينا ثم ينقطع ماؤها  بعد حين,, وعندما كان العصر عصر بخار في ذلك الزمن وقد حدث ان اختُرعت في الغرب مكنات تقطر الماء العذب من الماء المالح فيخرج حلواً عذباً صالحاً لاستعماله في الشرب والاغراض الخاصة الاخرى فتم الاخذ بهذه الفكرة لتساعد العين الوزيرية في حالتي جريانها وانقطاعها, وقد جلبت هذه الالة المقطّرة للماء فعلاً في سنة 1325ه- وقامت بمهمتها خير قيام فأقبل الناس على استعمال هذا الماء بعناية باعتبار انه خال من الجراثيم التي تتعرض لها مياه الصهاريج والعين  الوزيرية - على ان المقطِّرة هذه المعروفة باسم الكنداسة لم يكن شأنها في الارواء كبيراً فلم يسد انتاج ماء الكنداسة سكان جدة والواردين اليها من الماء  ولاسيما انها تتعرض للأعطال الفنية بين الفينة والاخرى فتنقطع مياهها ويعود مركز ثقل الشرب والاستعمال الى ماء العين الوزيرية والصهاريج مرة اخرى - ولقد  تعطلت الكنداسة سنة 1328ه وأصلحت وعادت للانتاج ثم استمرت تعمل بتقطع حتى سنة 1346ه , وحينما انقطع الفحم الحجري عن جدة سنة 1343ه - 1344ه , عندما دخل  الملك عبدالعزيز جدة - صاروا يوقدون عليها بالحطب فعجّل ذلك بخرابها النهائي في سنة 1346ه, وحينما لم تجد كل المحاولات المتخذة لإصلاحها قامت الحكومة السعودية باستيراد آلتين كبيرتين في السنة نفسها 1346ه - 1927م وقامتا بمهمة تقطير الماء, وحينما تكاثر السكان والحجاج اشتغلت آلات هذه الكنداسة بما هو فوق طاقتها الفنية، لتزود جدة بمايكفيها من الماء، او على الاقل بأكبر قسط ممكن منه فكان ذلك من الاسباب المباشرة التي عجلت بخراب احدى الالتين المجلوبتين حديثاً انذاك, وعندما اصبحت جدة تعاني من ازمة الماء- ازمة شديدة فكر اعيان البلدة وموسروها بجمع التبرعات لجلب عين لهم - حتى ان الانسان في ذلك الزمن كان ينزل من منزله  من الصباح ولايعود الا عند المغرب للحصول على الزفة والتي هي تنكتان من الماء, وقد يعود البعض بدون ماء الى منزله, وعلى هذا الاساس مثل ماذكرت اجتمع المواطنون من اهل جدة ليتبرعوا لجلب الماء من وادي فاطمة الا ان المغفور له ان شاء الله الملك عبدالعزيز آل سعود اخذ بزمام المبادرة بعدما سمع بأن المواطنين قد جمعوا تبرعاتهم لجلب الماء فأمر بإعادة تبرعات المتبرعين الى جيوبهم ورفض تبرعات المواطنين لعلمه اليقين بما يعانيه المواطن في ذلك الحين من شظف العيش فاصدر امره الى وزير المالية انذاك الشيخ/ عبدالله السليمان بان يجري الماء الفياض الى جدة من وادي فاطمة وعلى حسابه الخاص بطراز اعمق واعم نفعاً واكثر خلوداً من كل ما تقدم فتم ذلك ولله الحمد بعد ان كلف عبدالله السليمان صالح  قزاز من وزارة المالية بأن يتصل بالأشراف والأشراف يرجعون للوكيل الشريف عبدالله بن جساس فاستأجروا من كل عين ثمنها من ثماني عيون وكان ذلك الاتفاق في صبيحة اليوم الثامن من شهر محرم الحرام سنة 1366ه - 1946م ,فاجتمعت الهيئة المكلفة مع الاشراف في مخيم بخيف عين البرقة بوادي فاطمة وتشاوروا فيما بينهم في الموضوع, ووعد الملك عبدالعزيز بالاستعداد للتفاوض على اخذ ماتجود به نفوس اهل وادي فاطمة من ماء عيونهم على انه سيعوضهم عنه بما يرضيهم ويقر أعينهم, وقال لهم : انه لا اجبار لهم على اخذ الماء من واديهم,,  المسألة مسألة خيرية واختيار يهدفان الى تحقيق الصالح العام بحيث لايؤدي الى ضرر احد - واعرب لهم- يرحمه الله - عن تصميمه على تنفيذ هذا المشروع  مهمايكلّفه من الاموال الطائلة , واوضح لهم ان سبب عزمه على ذلك يعود الى مالمسه ورآه رأي العين مما يعانيه سكان مدينة جدة من المتاعب في سبيل حصولهم على  شربة ماء, وكان لحديثه بالغ الاثر في نفوس اصحاب العيون الثماني وهي: عين ابي شعيب، و عين الروضة، وعين الجموم، وعين الحسنية، وعين ابي عروة، وعين الهنية، وعين الخيف، وعين البرقة, وكان الاتفاق على ان يدفع الملك عبدالعزيز آل سعود مبلغاً من المال لاصحاب هذه العيون, فتجاوب اصحابها مع الملك عبدالعزيز واشار - يرحمه الله- بيده الى  وزير ماليته الشيخ/ عبدالله السليمان- يرحمه الله- قائلاً إني قد أمرته بان يجتمع بكم وان يتذاكر معكم في عقد الاتفاق وأمرته بان لايبخل عليكم بمال وقد وُضعت شروط لهذه الاتفاقات , من اهمها ان يبدأ أولاً بتعمير العيون وتعاهدها واصلاحها, وتكون نفقات ذلك مناصفة بين الملك واصحاب العيون ماعدا عين البرقة فتكون نفقات اصلاحها كلها على الملك عبدالعزيز, وبالفعل بدأ المشروع في التنفيذ وكلفت مؤسسة محمد بن لادن بعمل هذا المشروع فبدأ بالكشف علىمجاري العيون واصلاحها وتبريحها من الاتربة المتراكمة فيها وشرع  في اصلاح قنواتها وتنظيفها فاستمر العمل على قدم وساق مدة ثمانية اشهر متوالية,, بكل جد واهتمام كما استمر العمل في الحفريات ونقل المواسير ومد انابيب  الماء فيها الى جدة وذلك بدون هوادة وكانت شركة انجليزية هي شركة (جلاتلي هنكي) هي التي تعهدت بالقيام باستيراد المواسير والانابيب وعمل التوصيلات اللازمة  وقامت بإيصالها من وادي فاطمة الى جدة فأنجزته في الوقت الذي حدد انجازه وانتهى المشروع في عام 1367ه, وفي غرة المحرم 1367ه - 1947م تدفقت المياه من عيون  وادي فاطمة الى مدينة جدة من مسافة خمسة وستين كيلو متراً, وكان وصوله من عين ابي شعيب بالوادي بوساطة خط من انابيب الاسبستوس والاسمنت تلك الانابيب التي برهنت بعد تجربتها في بلدان عديدة على تفوقها على الانابيب الاخرى، وعلى الاخص في مثل تربة هذه البلاد , وفي اليوم الخامس من المحرم 1367ه, 1947م-  اقيم الاحتفال الشعبي الكبير في ضاحية جدة الشمالية بمكان يقرب من مبنى وزارة الخارجية اليوم بجوار القشلة بجدة حيث نصبت مئات الخيام والصواوين وتبادل  الناس التهاني بهذا الحدث العظيم في هذا الشهر الميمون، والقيت الخطب الرنانة والقصائد العصماء في المناسبة الحافلة التي افتتحها صاحب السمو الملكي  الامير/ سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله - ولي العهد انذاك, ورفع اهالي جدة برقيات التهنئة والولاء والتقدير لمنشىء هذا المشروع الخيري العظيم - الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود - رحمه الله- ورفعوا اكف الضراعة والابتهال الى الله تعالى ان يثيبه لقاء معروفه الشامل الخالد بالجزاء الاسنى وان يؤيد ملكه ويوطد عرشه ويحفظ انجاله الميامين, حقا لقد كان يوماً مشهوداً ومهرجاناً شعبياً بهيجاً, وقد نشرت صحافة ذلك العهد أنباء هذا الاحتفال وطيرت به برقيات من جدة الى انحاء العالم، مؤذنة ببدء عهد التطور الحضاري الحديث المنتظر، لهذه المملكة الفتية، بهذه الخطوة الاصلاحية العمرانية الواسعة الكبرى, وهكذا كانت العين العزيزية بجدة هي التجربة الاولى الناجحة والحمدلله بلغت نفقات هذا المشروع حتى يوم وصول ماء عين ابي شعيب الى جدة، نحو ستة ملايين من الريالات العربية السعودية وهو مبلغ كبير جداً تكفل به الملك الراحل رحمه الله, وقلنا إنه كبيراً جداً بالنظر لذلك الظرف الذي اعقب الحرب العالمية الضروس والذي اقيم فيه المشروع,وبالنظر لملابساته,, فقد كانت موارد الدولة محدودة اذ  لم يأت بعد العهد الذي اتسعت فيه ثروة الدولة السعودية من جراء تدفق النفط من منطقة الظهران الذي دفع بعجلة تطور البلاد دفعاً قوياً حثيثاً الى الامام, وسألنا السيد حسين محمد الصافي عن عدد الموظفين في العين انذاك وكيف تم اختيار رئيس لها وكم كانت ميزانيتها وما سبب تسميتها بهذا الاسم؟ فأجابنا قائلاً: بدأت العين العزيزية ب 5 او 6 موظفين ثم زاد عددهم الى ان اصبح الان يزيد على 900 تسعمائة موظف, وقد انيطت رئاسة ادارة هذه العين في البداية بالشيخ/ عثمان باعثمان - رحمه الله- من سنة 1367ه بتكليف من وزير المالية عبدالله السليمان انذاك عام 1387ه الى ان توفي ثم توليت رئاسة العين العزيزية بعد وفاته رحمه الله بنشاط كان لايعرف فيه الكلل ولا الملل وهو الذي طلب مني العمل في العين منذ عام 1370ه والى الان والحمدلله وقد توليت رئاسة العين في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله - اما ميزانية العين العزيزية فبدأت بمبلغ قد لايصدقني فيه احد الا وهو 3000 ثلاثة الاف ريال, والان ميزانية العين تزيد عن 3 مليارات ولله الحمد وهذا بفضل الله ثم بفضل المغفور له إن شاء الله عبدالعزيز آل سعود, وقد سميت بهذا الاسم نسبة الى الملك الراحل رحمه الله عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود, وعن الاهداف التي خصصها الملك عبدالعزيز لمشروع العين العزيزية قال الصافي: خصص الملك عبدالعزيز هذا المشروع لهدفين هامين هما : توفير المياه لاهالي جدة وخدمة لحجاج بيت الله الحرام, وهذا هو المبدأ الاساسي لإيجاد العين العزيزية وهو سبب رئيسي سعى رحمه الله الى تحقيقه, واريد ان اوضح ان العين العزيزية مؤسسة خيرية اوقفها المغفور له ان شاء الله الملك عبدالعزيز ال سعود - طيب الله ثراه-, وحدثنا الصافي عن علاقة العين العزيزية بالعين الوزيرية فقال: استلمت العين العزيزية كل مابحوزة العين الوزيرية كما هو موضح بنص خطاب ولي العهد انذاك سعود بن عبدالعزيز بالتسليم والاستلام, وقد تم الغاء العين الوزيرية وحلت العين العزيزية مكان العين الوزيرية,