[14 OCT 1998 ] Article No : 141
تهامة والعطاء المتجدد
تأملات في صلات الفيصل وبره بتهامة وأهلها
أ,د: عبدالله بن محمد أبو داهش
أبها- كلية اللغة العربية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الأمين محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد,, فإنه يتبين للباحث في دراسات جنوبي المملكة العربية السعودية عبر

النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري مدى أثر التكوين السياسي للدولة السعودية في توجيه الفكر بهذه الأنحاء، ومدى ما أوجده ساستها من أسباب اليقظة الفكرية الجادة، ومااتصفوا به من مواقف حكيمة تجاه القضايا الإسلامية والعربية، فلقد سلك اولئك الولاة منهجاً سياسياً حكيماً كان من آثاره: قيام شعار الدين، ودفع البدع والمعتقدات الباطلة، إلى جانب يقظة الفكر، ونهضة التعليم وشيوع أسباب الأمن واستتبابه إذ انبسط هذا الواقع الجديد على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية مما أوجد بفضل الله تعالى حياة آمنة مطمئنة، ولقد وجد المجتمع في رحاب هذه الدولة تشجيعاً جاداً انصرف أبناؤه في ميدانه إلى بناء حياتهم الجديدة بروح واثقة فلقد ملوا من قبل آثار الفرقة، والاختلاف المذهبي، وكرهوا عهد التناحر القبلي الذي كان قد حل بقبائلهم وقراهم حيث وجدوا من أسباب اليقظة الدينية والتعليمية والأمنية سبلاً للحديث عن واقعهم كما وجدوا في ظلال هذه الدولة دواعي النهضة، ولم شتات المسلمين والدعوة للجهاد والتضامن الاسلامي ولئن كان عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (1297-1373ه) قد حفل بأسباب التمكين لهذه الآمال فإن بنيه من بعده قد سعوا في تحقيق تلك الأهداف والدعوة لها، إذ يمكن في هذا المقام التعرض لشيء من صلات الملك فيصل بن عبدالعزيز (1324-1395ه) وبره بهذه الأنحاء وذلك بشئ من التركيز والايجاز,وتأتي صلة الملك فيصل بهذه الأنحاء وطيدة مكينة إذ عرفته في وقت مبكر من تاريخ توحيد هذا الكيان السياسي الكبير، حيث عرفته هذه الأجزاء قائداً سياسياً فذا يجوب أرجاءها، ويبسط الأمن في ربوعها ويسعى إلى توثيق عرى الإخاء بين أبنائها في ظلال توحيد هذه المملكة العربية السعودية كما عرفته نائباً عن أبيه في الحجاز ثم ولياً للعهد ثم ملكاً رحيماً عادلاًشأنها في ذلك مثل شأن بقية البلدان السعودية الأخرى، وكان في تلك الأطوار كلها وطيد الصلة بأبناء هذه المنطقة فلقد تحقق ذلك في اطار المهام السياسية التي حملها من قبيل أبيه في سبيل توحيد هذه البلاد، إذ يكاد يجمع المؤرخون على أن دخوله أبها كان في شهر صفر ،1341ه(1) ويؤكد ما ذهبت إليه تلك المصادر المحلية المطبوعة، ماورد في تلك الرسالة الخطية التي بعث بها الملك فيصل نفسه إلى الشيخ محمد ابن دليم أبو لعثة(2)، في شهر المحرم سنة 1341ه وهو ببيشه(3) في طريقه إلى أبها على أثر الفتنة التي قامت في عسير سنة 1340ه/1921ه وفي تلك الرسالة يقول الفيصل رحمه الله من طرف خطكم الذي أرسلتم(4) لمترك(5) أشرفنا عليه، وعرفنا مضمونه وسرنا ما تضمنه من إفادتكم خصوصاً من طرف عسير، فتدرون أن الله سبحانه وتعالى واعد من قام بدينه النصر، فلما رأينا ما منّ الله به على المسلمين أحببنا بشارتكم بذلك(6) ، كما يؤكد هذا القول ماذكره الشيخ سعد بن فردان(7) في معرض حديثه عن الملك فيصل إذ قال: وقد وصل فيصل بن عبدالعزيز بيشه سنة 1341ه(8) كمايزيد في تأكيد هذا القول تلك الرسالة التي بعث بها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود إلى حسين بن علي بن رومي(9) يخبره فيها بوصول ابنه فيصل إلى بيشة ويبشره بما حققه من نصر وتمكين (10),،أما تهامة فلقد كان عهد الفيصل بها وثيقاً إذ اقترن اسمه بتلك الأحداث السياسية المهمة التي نشأت فيها وارتبطت بتاريخ الدولة السعودية الثالثة عندئذ، وذلك منذ عام 1352ه/1933م على أثر الخلافات السياسية القائمة حينذاك بين حكومتي اليمن والمملكة العربية السعودية اذ أسند للملك فيصل حينذاك قيادة الجيش السعودي فلقد ذكر محمد بن أحمد العقيلي أنه (11): في يوم 1352/12/27ه في نحو الساعة العاشرة صباحاً بالتوقيت الزوالي وصل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل مدينة جازان(12) بطريق البر، ترافقه زهاء مائة سيارة وقداستعدت المنطقة من القحمة(13) إلى الموسم (14) للاحتفاء بسموه فنشرت الأعلام ونصبت الزينات في كل قرية وبلدة واستقبله الأهالي بالاحتفاء والابتهاج(15) ، ولم يكن هذه الزيارة بقليل في الشعر إذ يبدو أن الشعراء أسهموا بشئ من نتاجهم في هذا الميدان إذ قال العقيلي في معرض حديثه عن هذه الزيارة وبعد أن استقر به المجلس أُذن للوجهاء والأعيان والمشايخ بالسلام على سموه، وألقى شاعر جازان : الشيخ علي بن محمد السنوسي(16) قصيدة الترحيب بسموه(17) وحينما انتظم الفيصل بجيشه تهامة اليمن كان النصر حليفه واليُمن ساعده فلقد أفاض المؤرخون في الحديث عنه ومدى الأثر الذي تركه في نفوس الناس بتلك الأنحاء ومن أولئك المؤرخين محمد بن أحمدالعقيلي الذي يقول: وفي يوم 27 محرم 1353ه تحرك ركب الأمير فيصل من المحبة(18) في طريقه إلى الحديدة في موكب مهيب بطريق الساحل تستقبله القرى والبلدان والقبائل بالحفاوة والابتهاج والافراح وقرع الطبول ولعلعة الزغاريد حتى أشرف على مدينة الحديدة أكبر مدن اليمن الساحلية والميناء الرئيسي وخرجت القوات السعودية لاستقباله خارج المدينة التي رفعت الأعلام على قصورها ودوائرها وخرج الناس لاستقباله ومشاهدة موكبه وأطلقت المدافع تحية لسموه (20),،ولما تولى رحمه الله تعالى زمام الملك في بلاده اعتاد زيارة هذه الأجزاء من مملكته يتفقد خلالها أحوال رعيته ويشهد واقع الناس فيها فلقد رأى زيارة عسير في عام 1392ه/1972م حيث أراد رصد واقعها عن كثب والتعرف على أحوال أهلها وقد حدثني من أثق بقوله إنه في أثناء تلك الزيارة فضل الوقوف على تهامة من مشارف جبال عسير وأنه حينما أطل عليها بكى رحمه الله قلت: لعل بكاءه عندئذ قد نشأ حين ذكر أيامه الأولى فيها، ومساره في دروبها ومعرفته برجالها فلقد سلك فجاجها وسار في سواحلها وارتبط نشاطه عندئذ بالمخلصين من أبنائه وليس هذاالاتصال وتلك الزيارة بقاصرين على عسير وحسب وإنماشأنها في هذا الحال مثل شأن غيرها من بلدان هذه المملكة الواسعة وربما امتازت هذه الأنحاء عن غيرها بما عرفته من صلات الفيصل الأولى لها,

وتزداد صلة الفيصل رحمه الله بهذه الأجزاء من جزيرة العرب من خلال الرسائل النثرية التي كان يوجهها إلى علماء هذه المنطقة ومشايخها فلقد حفلت المكتبات الخاصة بهذه الأنحاء بكثير من تلك الرسائل الخطية ومنهاعلى سبيل المثال الرسالة التي بعث بها في شأن الشيخ سعد بن علي النعمي(21) في 11 صفر 1341ه/1922م، ومنها قوله: من فيصل بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى من يراه من طرفنا السلام,, (22)، وبعد: من طرف سعيد بن علي وجماعته يقبلون علينا ولا لهم معارض يكون لديكم معلوم ، ولم يكن هذا الاتصال مقصوراً على أهالي أبها وماحولها وإنما وجد مثله مع مشايخ :غامد، وقحطان ورجال ألمع وأهل تهامة وغيرهم ومن ذلك أيضاً كتابه المرسل إلى نائب قاضي بلاد غامد(23) في 13 شعبان 1347ه الذي يقول فيه:فقد أخذنا خطكم المؤرخ في 26 جمادي الثانية 1347ه وما شرحتموه علم نشكركم على ذلك ونسأله تعالى أن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح إنه ولي التوفيق(24),، واليوم تسعد منطقتا عسير وتهامة بمقدم وزيرالداخلية صاحب السموالملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود الذي سيفتتح مشروع خيرية تهامة ببلدة الحريضة ليضيف حفظه الله إلى بره بانسان هذا الوطن عطاءً آخر يذكر له في مسيرة البناء المتصلة ويزيد في مكانته القيادية السامية إذ هو رجل الأمن الأول وصاحب التدبير الحكيم فلقد تبسم من أرض التهامة ثغرها سروراً وماست من رباها الجوانب(25)، وأقول أن مشروع خيرية تهامة الذي تنهض به مؤسسة الملك فيصل الخيرية سيقدم لأهالي الحريضة مختلف أنواع الخدمات الانسانية والاجتماعية والتنموية(26)، سيكون دليلاً لغير هذه المؤسسة الرائدة لبناء هذا الانسان في أرجاء وطننا الغالي الكبير، تهامة ذات الإرث الحضاري الواسع، بعلمائها وساداتها وطرق الحج فيها بمراكزها العلمية ومواطنها الحضارية تعيش اليوم حياة سعيدة آمنة حيث امتدت لها يدالعطاء وهفت إليها قلوب رحيمة في ظلال هذه الدولة السعودية الراشدة في عهد خادم الحرمين الشريفين رائد التعليم في بلادنا وقائد نهضتنا وفتىالإسلام المحنك,إذا العرب العرباء رازت نفوسها فأنت فتاها (والمليك) (27)الحلاحل(28)، وتحية صادقة مخلصة لصاحب السمو الملكي الأمير النابه خالد الفيصل بن عبدالعزيز الذي بصر عن قرب بحال تهامة فأسدى لها هذاالمشروع والله تعالى يقول: وما تقدموا لأنفسكم من خيرتجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (29),،والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة :صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (30),،

الهوامش والتعليقات:

،(1) انظر : اخبار عسير 182، والسراج المنير ، 134 لعبدالله بن علي بن مسفر، وفي في ربوع عسير 259 لمحمد عمر رفيع والبلاد العربية السعودية 61 لفؤاد حمزة، وشبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز 251/1 والوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز 67 لخير الدين الزركلي، وآل سعود 145 لأحمد علي، عدا المؤرخ هاشم بن سعيد النعمي، فقد خالف أولئك المؤرخين بقوله:تقدم الأمير فيصل إلى أبها، ودخلها دون قتال عام 1340ه تاريخ عسير 257,

،(2) شيخ : سنحان ووادعة ببلاد قحطان,

،(3) بيشة بكسر الباء الموحدة وإسكان الياء المثناة التحتية وفتح الشين المعجمة فهاء: مدينة معروفة فيها إمارة يتبعها عدد من القرى من إمارة بلاد عسير المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية 186 لحمدالجاسر,

،(4) في الأصل:ارسلتوا

،(5) مترك بن عشق بن شفلوت من أهل الصبيخة ببلاد قحطان وهو من الفهر من عبيدة,

،(6) رسالة الفيصل إلى ابن دليم، خطية، يوجد أصلها لدى الشيخ عبدالله بن دليم، بالكولة ببلاد قحطان,

،(7) شيخ: آل معمر والوهابة ببلاد قحطان,

،(8) نبذة خطية مختصرة: أملاها ابن فردان نفسه، يوجد لدى الباحث صورة منها,

،(9) حسين بن علي بن سيف بن رومي,

،(10) رسالة الملك عبدالعزيز إلى ابن رومي خطية تاريخها في 1 ربيع الأول 1341ه يوجد أصلها المخطوط في دارة الملك عبدالعزيز بالرياض قسم الوثائق تحت رقم 342,

،(11) محمد بن أحمد بن عيسى العقيلي ولد سنة 1336ه تلقى تعليمه الأولي على يد محمد خميس باجبير الحضرمي في صبيا، وأخذ على الشيخ عقيل بن أحمد اشتغل بالوظائف الحكومية ثم انصرف إلى البحث والتدوين له: ديوانان من الشعر وله عدد من المؤلفات والبحوث انظر شعراء الجنوب 29,

،(12) جيم مفتوحة بعدها ألف قزاي مفتوحة وألف وآخره نون وبعضهم يبدل الألف الأولى ياء، وهي قاعدة منطقة جازان يتبعها عدد وافر من الأودية الزراعية والقرى الكثيرة والجبال المسكونة والمعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية 223 لحمد الجاسر انظر تفصيلاً عنها في المعجم الجغرافي لمقاطعة جازان 14 لمحمد بن أحمدالعقيلي,

،(13) بلدة ساحلية تقع شمالي منطقة جازان وهي قاعدة لقبيلة المنجحة انظر المعجم الجغرافي لمقاطعة جازان 185 للعقيلي,

،(14) بضم الميم وفتح الواو والسين مع التشديد قرية تقع في جنوبي جازان انظر المصدر السابق 221,

،(15) تاريخ المخلاف السليماني 1132,

،(16) ولد بمكة المكرمة عام 1315ه ورحل في سبيل العلم إلى :زبيد والمراوعة بتهامة اليمن عام 1328ه ثم عاد إلى جازان عام 1334ه فاستقر فيها حيث تزوج عام ،1337ه وقد عمل في القضاء في العهد الإدريسي ثم في العهد السعودي إذ بقى قاضياً لجازان حتى عام 1354ه وكان يقوم بعد ذلك بالتدريس في حلقته المشهورة حتى توفي عام 1363ه الحياة الفكرية والأدبية في جنوبي البلاد السعودية 242 للباحث,

،(17) تاريخ المخلاف السليماني 1132,

،(18) من بلدان تهامة اليمن الساحلية,

،(19) من بلدان تهامة اليمن الرئيسية ومن موانئها الشهيرة,

،(20) تاريخ المخلاف السليماني 1139، انظر شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز 603 للزركلي، والبلاد العربية السعودية 64 لفؤاد حمزة ورياح التغيير في اليمن 241، لأحمد بن محمد الشامي,

،(21) سعيد بن علي النعمي من أهل العكاس بمدينة أبها,

،(22) رسالة الفيصل خطية تاريخها 11 صفر 1341ه توجد لدى الشيخ هاشم بن سعيد النعمي بأبها,

،(23) عبدالعزيز بن محمد المنصوري الغامدي,

،(24) رسالة الفيصل إلى نائب قاضي بلاد غامد خطية توجدلدى عبدالوهاب بن عبدالعزيز الغامدي ببلجرشي

،(25) البيت لعلي بن محمد السنوسي (1315-1363ه)،

،(26) المحرر اخبار الوطن عكاظ ع 11737، س40( السبت 20 جمادي الآخرة 1419ه)ص2,

،(27) من الكاتب

،(28) البيت للمتنبي

،(29) من آية 110 سورة البقرة

،(30) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، انظر جامع الأصول لابن الأثير /11